عصر الثلثاء 18 حزيران 1968، عقد المجلس النيابي المنتخب حديثًا أول جلسة مناقشة عامة بعد انتخاب رئيسه وهيئة مكتبه وتشكيل لجانه.
في تلك الجلسة، افتتح الرئيس كميل شمعون الكلام، وهو العائد إلى البرلمان محققًا انتصارًا شعبيًا باهرًا، ورئيسًا لأكبر كتلة نيابية يومها، ضمّت 15 نائبًا من الطوائف الست من أصل 99 نائبًا كان يتألف منهم المجلس النيابي، وذلك بعد إسقاطه في دورة 1964، وبعد نجاته بأعجوبة من محاولة اغتياله، وبعد أن شكر العناية الإلهية ومعظم اللبنانيين الذين شجبوا محاولة الاغتيال المجرمة، معبّرين له عن عاطفة نبيلة، وخصّ بالشكر رئيس المجلس ورجالات الدين والسياسة، مبديًا عتبه على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة "اللذين لم يكلّفا نفسيهما عناء الاطمئنان ولو من خلال الاتصال الهاتفي".
تابع: إنّ عدم اتصال البعض للاطمئنان قد يكون مردّه إلى الخوف من الاتهام بالتقرّب من الشمعونية أو من حزب الوطنيين الأحرار. وسأل: "ما هي الشمعونية برأيكم؟".
ردّ قائلا: الشمعونية التي أراد البعض أن يطلقها على سياسة حزبنا كانت قد تبلورت منذ عام 1941 لمحاربة كل محاولة تهدف إلى العودة بلبنان إلى إعطاء أي مركز ممتاز لأي دولة أجنبية، وتبلورت سنة 1943 بحكومة كنتُ وزير داخليتها، وهي الحكومة التي عدّلت الدستور وأعلنت الاستقلال وسُجن معظم أعضائها في قلعة راشيا، إضافة إلى الوجه الصبوح المغفور له الرئيس عبد الحميد كرامي. وقد برزت أثناء هذه البرهة المجيدة من تاريخ لبنان أسماء قيادات لبنانية عديدة، سواء أكانوا في حكومة بشامون أم داخل المجلس النيابي أم خارجه، وتبلورت الشمعونية أخيرًا بعهد يُسر وبحبوحة وعمران لم يرَ لبنان شبيهًا له منذ القدم، عهد الرئيس شمعون 1952 ـ 1958.
أما في السياسة العربية، وهنا بيت القصيد، فالشمعونية رافقتها منذ فجر الاستقلال وعملت لها على الأقل ما عمله سواها في لبنان وخارج لبنان. والمتابع يعرف من خدم القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، وأما تنكّر البعض لفضل الشمعونية، فمردّه مسايرة الغوغائية الرخيصة والخوف المسيطر والانصياع إلى صوت المعلّم الواقف خلف الكواليس ووراء كل فتنة.
أكمل: هذا في ما يتعلق بالماضي، وقد يتساءل البعض إذا طرأ أي تغيير على سياستنا بعد الاعتداء الأثيم الذي وقع. فأجيب أني صرّحت فور وقوع الحادث: لا بأس عندي بالدم الذي هُدر إذا كُتب لهذا الدم أن يكون عربون وحدة وطنية حقيقية، وهذا ما أعيده اليوم من على هذا المنبر. وهذا يعني أن سياستنا لم تتغيّر بفعل ما حصل، ونحن كحزب له أنصاره في كل بقعة من هذا الوطن، وككتلة نيابية تدين بخدمة المجموع لا بالأطماع الشخصية، على يقين بأن الكلمة الأخيرة ستكون للحق الذي نمثله مهما طال الأمد. وأؤكد مجددًا أن أهداف سياستنا في الحقل الوطني هي: لبنان فوق كل شيء، لبنان أزلي أبدي سرمدي باقٍ مدى الدهور وطنًا للحرية والكرامة والتقدّم والمحبة والوئام، وهو لكل أبنائه على السواء، لا يفرّق بينهم دين أو طائفة أو مذهب. وهنا قوطع بتصفيق حاد. أما نظرتنا إلى الحكم، فإننا نرى أن لا مندوحة من أن يتضمّن البرنامج الحكومي بكل صراحة الأمور التالية:
أولا: العودة بالبلاد إلى حكم برلماني صحيح، تمارس فيه السلطة التنفيذية كل صلاحياتها الدستورية تحت رقابة هذا المجلس.
ثانيًا: فصل الأمن الداخلي عن الجيش، وتحديد ظروف مساندة الجيش لتلك القوى.
ثالثًا: إعادة النظر في أصول تنظيم موازنة الدولة بغية جعلها جزءًا من سياسة بنّاءة تتفق وضرورات الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
رابعًا: إعادة النظر في المراسيم الاشتراعية، التي أدّت إلى زيادة في النفقات غير المنتجة، ولم تُبقِ مجالا للإنفاق على المشاريع الإنشائية.
خامسًا: رسم سياسة مالية واقتصادية من شأنها:
أن تؤمّن سلامة الأسواق المالية وتطهيرها من المؤسسات المشبوهة.
توفير الطمأنينة للصناعيين والمزارعين عن طريق تسهيل زيادة الإنتاج بأقل ما يمكن من كلفة.
منح قروض طويلة الأجل وبفائدة مخفّضة تساعد على النمو الصناعي.
جعل السياحة حقيقة راهنة، لا سببًا للإنفاق على الدعايات الحكومية.
سادسًا: تنظيم القوى المسلحة على أكمل وجه، تنظيمًا قويًا يوفر لها العدد الكافي والعدّة الضرورية والتدريب الحديث، وإبعادها عن كل عمل يمتّ إلى السياسة، وعن كل نشاط لا يدخل ضمن نطاق مهمتها الأساسية، فتصبح عند ذلك قوة حربية ضاربة في وجه العدو، قادرة على أن تلعب دورها المهم في الدفاع عن حدود الوطن وعن كرامته، وأن تساهم مساهمة فعّالة في الموجبات التي تفرضها مصلحة لبنان والدول العربية الشقيقة.
أما سياستنا العربية، فقد عبّرت عنها في بيان ألقيته في السعديات في 15 نيسان الماضي، وسأوضحها مجددًا من على هذا المنبر بصورة نهائية لا تقبل التأويل:
أولا: إننا نعتبر أن لنا في لبنان مركز الصدارة والتوجيه في السياسة العربية.
ثانيًا: علينا أن نلتزم الحياد بالنسبة إلى الاختلافات التي تقع بين الدول العربية.
ثالثًا: إن الروابط التي تربطنا بإخوتنا في الدول العربية هي روابط دم ولغة وتقاليد، ولا بد من أن نذكر أن علاقاتنا المتبادلة مع الأشقاء العرب يجب أن تقوم على أسس التكافل والتضامن وتكافؤ المصلحة.
رابعًا: إننا نعتبر أن فلسطين لنا، والقدس لنا، والشرق العربي شرقنا ومجالنا الحيوي.
خامسًا: إننا نرفض ترديد القول بمحو آثار حرب 5 حزيران، فهذا أمر مفروغ منه، وأصبح ترديده كأنه الألف والياء في السياسة العربية، كما أنه آن الأوان لنا بألّا نعود إلى الوقوف على أبواب مجلس الأمن والأمم المتحدة، شاكين باكين، نستجدي عطفًا ومساعدة. وعزيمتنا هذه يجب أن تشكّل موقفًا موحدًا لجميع الدول العربية، تقابله من ناحية ثانية ضرورة استكمال وسائلنا العسكرية، واتفاق الكلمة، وتوحيد الخطط، وتنظيم أنفسنا تنظيمًا يضاهي تنظيم العدو، إن لم يتفوّق عليه.
هذه هي سياستنا العربية واللبنانية التي سنعمل بموجبها ضمن جدران هذا المجلس وخارجه، وفي المجال العربي، حكومةً كنا أم معارضة. وطالما نحن في صدد الظروف الحاضرة، فإنني أترك جانبًا المشاريع العديدة التي تتقدّم بها الحكومة، وأسألها سؤالا مهمًا حيويًا أكتفي بطرحه أثناء هذه الجلسة، على أن أعود إلى مناقشته في جلسة مقبلة: لقد وقع الاعتداء الإسرائيلي في 5 حزيران 1967، ثم بعد توقف إطلاق النار، ورغم كون لبنان لم يشترك في الأعمال العسكرية، فقد وجّهت لنا إسرائيل شتى التهديدات بمناسبات عديدة، إن دلّت على شيء، فهي تدل على أطماع لها بالأراضي اللبنانية. ثم قامت مؤخرًا باعتداءين على قريتين لبنانيتين، ما يثبت نيّتها المبيّتة لجرّ لبنان إلى معركة تكون لها الغلبة فيها، فتحتل الأراضي وتستلم المياه التي تطمع بها حسب مخططها. ولهذه الأسباب كلها، أطلب جلسة سريعة سرية للمجلس تُخصّص:
أولا: ليدلي خلالها وزير الخارجية ببيان عن نتيجة رحلته إلى العواصم الكبرى.
ثانيًا: لنأخذ علمًا بالتدابير العسكرية التي اتُّخذت منذ 5 حزيران 1967، والتي تجعلنا بمأمن من شر العدو، ولن نقبل أن تتذرّع الحكومة بسرّية أعمال التسلح تهرّبًا من الجواب الصريح.
ثالثًا: ليرى هذا المجلس ما هو الموقف النهائي الذي يجب أن نتخذه بالنسبة إلى حدودنا ولموجباتنا مع إخواننا العرب، على ضوء إمكاناتنا العسكرية الحاضرة والمستقبلة.
وإذا لم نبحث هذه الأمور كلها بالصراحة والجرأة اللازمتين، نكون قد تصرّفنا تصرّف غير المسؤولين، وعرّضنا بلادنا لأشد الخطر، من دون أن يستفيد أحد إلا العدو المشترك.
ختم الرئيس شمعون: هذا ما كان بودّي أن أقوله في هذه الجلسة، شاكرًا لمجلسكم الكريم الاستماع إلى هذا البيان الذي، إذا كان يهدف إلى شيء، فهو يهدف إلى المصلحة الوطنية لا أكثر ولا أقل، وشكرًا لكم دولة الرئيس وحضرات الزملاء الكرام، والسلام عليكم.
أما بعد،
منذ 58 عامًا، حدّد الرئيس شمعون مفهوم الشمعونية الممكن اختصاره بالعبارات التالية: لبنان فوق كل شيء، لبنان أزلي أبدي سرمدي باقٍ مدى الدهور وطنًا للحرية والكرامة والتقدّم والمحبة والوئام، وهو لكل أبنائه على السواء، لا يفرّق بينهم دين أو طائفة أو مذهب.
فلو تأمّلنا بهدوء في ما قاله الرئيس شمعون يومها، أفلا يصلح ليومنا هذا، وكأنه ما زال يعيش هموم وطننا ويومياته؟