في عالم الكاتب التشيكي فرانز كافكا، لا تظهر المأساة دائماً على هيئة حربٍ أو جوع، بل تتجلّى في صورة أكثر قسوة: إنسانٌ ضائع داخل متاهة عبثية، يجهل من يحكمه، ولا يفهم القوانين التي تتحكّم بمصيره، ويشعر بأن حياته تُدار بقوى غامضة تتجاوز قدرته على الفهم والمواجهة.
يبدو المواطن اللبناني، منذ عقود، وكأنه يعيش داخل روايات كافكا؛ دولة موجودة شكلياً عبر المعاملات الورقية الرسمية، وغائبة فعلياً ككيانٍ يملك الحق الحصري بامتلاك السلاح وسلطةٍ تعمل بجهد لتحقيق العدالة، بينما الشعبٌ مصدوم يتأرجح بين الرعب والضياع، ومجتمع تحوّلت فيه الأزمات إلى واقعٍ طبيعي، حتى بدا وكأن العبث أصبح المنطق الوحيد السائد.
في رواية «المحاكمة»، يُعتقل البطل ويُحاكَم ويُعدم في النهاية من دون أن يعرف تهمته أو مَن اتّهمه. في لبنان، يعيش المواطن الوجه الآخر لهذه اللعنة الكافكوية: الجرائم تقع في وضح النهار، الضحايا يسقطون بالآلاف، والمجرم يبقى دائماً شبحاً فوق المحاسبة والعدالة.
تتلاحق فصول الكارثة، فيما المسؤول مُغيَّب. ففي انفجار مرفأ بيروت دُمّرت العاصمة، وسقط مئات الشهداء وآلاف الجرحى. تمرّ السنوات والتحقيق معطّل، والقضاء مكبّل، فيما يبقى المسؤول عن إدخال النيترات وتخزينها وتفجيرها كائناً أسطورياً لا يجرؤ أحد على تسميته. وفي مسلسل الاغتيالات، شهد لبنان عقوداً من التصفيات المنظمة التي حصدت قادةً ومفكرين وصحافيين، نُفِّذت باحترافية عالية، حتى أصبح البحث عن الحقيقة ضرباً من الانتحار السياسي. أما الانهيار المالي، فقد نُهبت أموال المودعين وجنى أعمارهم في واحدة من أكبر عمليات السطو المالي في التاريخ الحديث. تبخّرت المليارات، ولم يُدَن مسؤول أو مصرفي واحد. وأخيراً، جاءت الحروب العبثية المدمرة التي جرّت البلاد إلى أوضاع مأساوية مرعبة، فهُدّمت القرى تحت شعارات أيديولوجية مستوردة من ايران، وقُتل الأبرياء، من دون السماح حتى بالسؤال: من اتخذ قرار الحرب؟ ولصالح مَن؟
في رواية «المسخ»، يستيقظ البطل ليجد نفسه قد تحوّل إلى حشرة ضخمة، لكن الصدمة الحقيقية ليست في التحوّل ذاته، بل في محاولته التكيّف مع تشوّهه والتفكير في كيفية الذهاب إلى عمله متأخراً.
هنا تحديداً تكمن «لعنة كافكا» اللبنانية؛ في التحوّل النفسي العميق الذي أصاب المجتمع بعد أن انهار مستواه المعيشي والأمني بين ليلة وضحاها. فالأخطر من الفقر هو الاعتياد عليه، والأخطر من الفوضى هو التعايش معها بوصفها أمراً طبيعياً.
لقد دخل لبنان مرحلة خطيرة من التطبيع مع الانهيار العبثي. أصبح غياب العدالة شيئاً عادياً، وتآكلت فكرة الدولة في الوعي الجماعي لتحلّ مكانها ولاءات خارجية. وفي ظل هذا الواقع المؤلم والمزري في نفس الوقت، ينمو أخطر أنواع الاستبداد؛ ذاك الذي لا يحتاج إلى قوةٍ مباشرة، لأن الناس يتحوّلون بفعل اليأس إلى حرّاسٍ لسجونهم، عبر الارتداد الغوغائي إلى العصبيات القبلية والعشائرية والطائفية طلباً للحماية، ليتحوّل الوطن من مشروع جماعي إلى مساحة مؤقتة للعيش أو الهروب.
هنا تبلغ اللعنة ذروتها العبثية؛ حين تضع المشاريع العابرة للحدود المواطن أمام معادلة ترهيبية مرعبة: إمّا الاستمرار في التطبيع مع متاهة العبث والموت المجاني والانهيار، حفاظاً على السلاح والشعارات، وإمّا الخضوع لتهمة الاستسلام للعدو الغاشم.
هذا الابتزاز يسلب اللبناني حقّه البديهي في الحياة. فالترويج لفكرة أن البديل الوحيد للحروب اللامتناهية هو الخضوع للعدو، ليس سوى تزويرٍ مبرمج للوعي، يهدف إلى إبقاء اللبناني أسيراً داخل المتاهة، مقتنعاً بأن قدره أن يبقى وقوداً لحروب الآخرين.
الدول تسقط أولاً حين يسقط الإيمان بالفكرة الوطنية الجامعة، وحين تصبح السرديات المستوردة أقوى من الدستور والميثاق. ومن هنا، يبدو المشهد اللبناني في جوهره أزمة هوية، وصراعاً وجودياً بين مشروع دولة قانون وسيادة، ومشاريع أيديولوجية لها ارتباطاتها وتمويلها وكفنها الخاص.
من هنا، لم يعد السؤال: لماذا ينهار لبنان؟ بل: هل يمتلك اللبنانيون الشجاعة لرفض الخيارات المفروضة عليهم، والخروج من المتاهة التي صنعتها أوهام السياسة وصراعات الشرق؟ أم سيبقون أسرى لعنة كافكا؟
اليوم، عندما نرى شباباً يُربَّون على عقائد شمولية وثقافة موت تخدم أجندات خارجية، وعندما نسمع خطاباً يمجّد التبعية للخارج ويدافع عن مصالح عواصم أخرى على حساب أشلاء بيروت وقرى الجنوب، ندرك حجم المأساة. ندرك أن لبنان لا يزال يدور في متاهة عبثية مدمّرة، في ظل جرائم كبرى تُرتكب علناً… فيما يبقى المسؤول مجهولاً، بقرارٍ من أشباح تتحكّم بكل شيءفي عالم الكاتب التشيكي فرانز كافكا، لا تظهر المأساة دائماً على هيئة حربٍ أو جوع، بل تتجلّى في صورة أكثر قسوة: إنسانٌ ضائع داخل متاهة عبثية، يجهل من يحكمه، ولا يفهم القوانين التي تتحكّم بمصيره، ويشعر بأن حياته تُدار بقوى غامضة تتجاوز قدرته على الفهم والمواجهة.
يبدو المواطن اللبناني، منذ عقود، وكأنه يعيش داخل روايات كافكا؛ دولة موجودة شكلياً عبر المعاملات الورقية الرسمية، وغائبة فعلياً ككيانٍ يملك الحق الحصري بامتلاك السلاح وسلطةٍ تعمل بجهد لتحقيق العدالة، بينما الشعبٌ مصدوم يتأرجح بين الرعب والضياع، ومجتمع تحوّلت فيه الأزمات إلى واقعٍ طبيعي، حتى بدا وكأن العبث أصبح المنطق الوحيد السائد.
في رواية «المحاكمة»، يُعتقل البطل ويُحاكَم ويُعدم في النهاية من دون أن يعرف تهمته أو مَن اتّهمه. في لبنان، يعيش المواطن الوجه الآخر لهذه اللعنة الكافكوية: الجرائم تقع في وضح النهار، الضحايا يسقطون بالآلاف، والمجرم يبقى دائماً شبحاً فوق المحاسبة والعدالة.
تتلاحق فصول الكارثة، فيما المسؤول مُغيَّب. ففي انفجار مرفأ بيروت دُمّرت العاصمة، وسقط مئات الشهداء وآلاف الجرحى. تمرّ السنوات والتحقيق معطّل، والقضاء مكبّل، فيما يبقى المسؤول عن إدخال النيترات وتخزينها وتفجيرها كائناً أسطورياً لا يجرؤ أحد على تسميته. وفي مسلسل الاغتيالات، شهد لبنان عقوداً من التصفيات المنظمة التي حصدت قادةً ومفكرين وصحافيين، نُفِّذت باحترافية عالية، حتى أصبح البحث عن الحقيقة ضرباً من الانتحار السياسي. أما الانهيار المالي، فقد نُهبت أموال المودعين وجنى أعمارهم في واحدة من أكبر عمليات السطو المالي في التاريخ الحديث. تبخّرت المليارات، ولم يُدَن مسؤول أو مصرفي واحد. وأخيراً، جاءت الحروب العبثية المدمرة التي جرّت البلاد إلى أوضاع مأساوية مرعبة، فهُدّمت القرى تحت شعارات أيديولوجية مستوردة من ايران، وقُتل الأبرياء، من دون السماح حتى بالسؤال: من اتخذ قرار الحرب؟ ولصالح مَن؟
في رواية «المسخ»، يستيقظ البطل ليجد نفسه قد تحوّل إلى حشرة ضخمة، لكن الصدمة الحقيقية ليست في التحوّل ذاته، بل في محاولته التكيّف مع تشوّهه والتفكير في كيفية الذهاب إلى عمله متأخراً.
هنا تحديداً تكمن «لعنة كافكا» اللبنانية؛ في التحوّل النفسي العميق الذي أصاب المجتمع بعد أن انهار مستواه المعيشي والأمني بين ليلة وضحاها. فالأخطر من الفقر هو الاعتياد عليه، والأخطر من الفوضى هو التعايش معها بوصفها أمراً طبيعياً.
لقد دخل لبنان مرحلة خطيرة من التطبيع مع الانهيار العبثي. أصبح غياب العدالة شيئاً عادياً، وتآكلت فكرة الدولة في الوعي الجماعي لتحلّ مكانها ولاءات خارجية. وفي ظل هذا الواقع المؤلم والمزري في نفس الوقت، ينمو أخطر أنواع الاستبداد؛ ذاك الذي لا يحتاج إلى قوةٍ مباشرة، لأن الناس يتحوّلون بفعل اليأس إلى حرّاسٍ لسجونهم، عبر الارتداد الغوغائي إلى العصبيات القبلية والعشائرية والطائفية طلباً للحماية، ليتحوّل الوطن من مشروع جماعي إلى مساحة مؤقتة للعيش أو الهروب.
هنا تبلغ اللعنة ذروتها العبثية؛ حين تضع المشاريع العابرة للحدود المواطن أمام معادلة ترهيبية مرعبة: إمّا الاستمرار في التطبيع مع متاهة العبث والموت المجاني والانهيار، حفاظاً على السلاح والشعارات، وإمّا الخضوع لتهمة الاستسلام للعدو الغاشم.
هذا الابتزاز يسلب اللبناني حقّه البديهي في الحياة. فالترويج لفكرة أن البديل الوحيد للحروب اللامتناهية هو الخضوع للعدو، ليس سوى تزويرٍ مبرمج للوعي، يهدف إلى إبقاء اللبناني أسيراً داخل المتاهة، مقتنعاً بأن قدره أن يبقى وقوداً لحروب الآخرين.
الدول تسقط أولاً حين يسقط الإيمان بالفكرة الوطنية الجامعة، وحين تصبح السرديات المستوردة أقوى من الدستور والميثاق. ومن هنا، يبدو المشهد اللبناني في جوهره أزمة هوية، وصراعاً وجودياً بين مشروع دولة قانون وسيادة، ومشاريع أيديولوجية لها ارتباطاتها وتمويلها وكفنها الخاص.
من هنا، لم يعد السؤال: لماذا ينهار لبنان؟ بل: هل يمتلك اللبنانيون الشجاعة لرفض الخيارات المفروضة عليهم، والخروج من المتاهة التي صنعتها أوهام السياسة وصراعات الشرق؟ أم سيبقون أسرى لعنة كافكا؟
اليوم، عندما نرى شباباً يُربَّون على عقائد شمولية وثقافة موت تخدم أجندات خارجية، وعندما نسمع خطاباً يمجّد التبعية للخارج ويدافع عن مصالح عواصم أخرى على حساب أشلاء بيروت وقرى الجنوب، ندرك حجم المأساة. ندرك أن لبنان لا يزال يدور في متاهة عبثية مدمّرة، في ظل جرائم كبرى تُرتكب علناً… فيما يبقى المسؤول مجهولاً، بقرارٍ من أشباح تتحكّم بكل شيء