منعت هيمنةُ "حزب الله" اعتمادَ "26 نيسان" عطلةً رسميةً لمناسبة انسحاب جيش الأسد من لبنان. وعودةُ الاحتلال الإسرائيلي تجعل الاحتفالَ بـ"25 أيار" بلا معنى، إلا من باب محاسبة جماعة الحزب على استجلابها مرةً أخرى الاحتلالَ والدمارَ إلى الجنوب. يجب ألا ننسى أن كل الاحتلالات تسلّلت إلى لبنان من ثغرة واحدة: مصادرة قرار الدولة في بيروت. ففي كل الحروب مع إسرائيل، الدولةُ "الشرعية" لم تكن طرفًا واقتصر على لملمة "آثار العدوان".
لقد ولّى زمنُ المواربة والمجاملة على حساب الحقيقة. فالاحتلال الأسدي و"الاستدخال الإيراني" والاحتلال الإسرائيلي يتساوون في التقييم الوطني تساويًا تامًا، ولا يوجد في قاموس السيادة "احتلال بزيت واحتلال بسمنة". وعلى الطريقة النازية وكوريا الشمالية وسائر الأنظمة القمعية التي أتقنت صناعة الوهم الجماعي، تزدحم روزنامةُ "حزب الله" بالاحتفالات الصاخبة في القاعات والساحات، لتبقى التعبئةُ الشعبية في حالة غليان دائم لا يهدأ. فالصياحُ ورفعُ القبضات وشعاراتُ "الموت لإسرائيل" إبرٌ تَحقن الجماهيرَ بأوهام فائض القوة وتُخدّرها عن رؤية الواقع المرير. ولأن المال الإيراني متوافر بلا حساب، فعناصر هذه البيئة تكاد تقتصر مواطنيتُهم على "الحضور" في القاعات والتظاهرات ومواكب الدراجات النارية والعمليات الحربية، كأنهم وُلدوا لخدمة "المشروع الإيراني". وهذا الإفراط المتعمَّد في إحياء المناسبات زاد في تباعد تلك البيئة عن المجتمع اللبناني العام وعزَّز انغلاقها، لفئويتها الضيقة واستدعائها الدائم للتراث المذهبي الشيعي وتوظيفه من منظار مفهوم "ولي الفقيه". وهكذا تنسج هذه "الدويلة" رواياتها المتخيَّلة وتحاول فرضها بالقوة والترهيب على الدولة المركزية الشرعية.
وليس أدلّ على هذا الاستفراد بالقرار الوطني إلا تلك المشاهد المخزية حين كان الحضورُ الرسمي من وزراء وعسكريين يجلسون في الصف الأمامي بصفة مشاهدين مستسلمين، تحت شاشة كبيرة كان يطلّ منها السيد حسن نصر الله مدافعًا عن نظام الأسد السفّاح، ومادحًا نظامَ "الجمهورية الإسلامية"، ومستفيضًا في التهجم على دول الخليج وأصدقاء لبنان في الغرب.
ومن مآثر "الدولة الجديدة"، أنها فكّت الارتباط مع هذه المنظمة "الخارجة عن القانون"، وأننا انتهينا، أو يجب أن نكون قد انتهينا، من "استدعاء" الضباط والعسكريين إلى حضور طقوس "الدويلة" وشعائرها. غير أن فكَّ الارتباط الرسمي لا يكفي وحده، إذ يجب التدقيقُ الصارم في تعيينات إدارات الدولة من قمتها إلى قاعدتها، لأن التخلص من "الدولة العميقة" المتغلغلة في الأسلاك الرسمية، من قضاء وأجهزة رقابة إلى سائر المديريات والمصالح، ليس ترفًا إصلاحيًا بل ممرٌّ إلزامي لا بديل منه في مسيرة نزع السلاح واستعادة الدولة.
وعلى الدولة أن تتنبّه بعيون مفتوحة لخطورة "الدولة العميقة" وما تُضمره، بعدما بلغ خطابُ هذه الجماعة حدَّ التخوين الصريح والعداء المفرط، حتى باتت الدولةُ اللبنانية وإسرائيل في مخيلتهم في خندق واحد. وهذا الخطاب ليس مجرد كلام، فهو يؤدي حين تحين اللحظة المناسبة، إلى العصيان المسلح واستعمال السلاح في الداخل. وما لا يخفى على أحد أن استعمال ورقة الجنوب كان هدفه في الأساس الإمساكَ بقرار بيروت لمنح إيران مزيدًا من عناصر قوتها الإقليمية. ومن السلوك الانتحاري المتمادي لهذا الفصيل في حروب الإسناد يمكن الاستنتاجُ بيقين مؤلم أن المنهزمين اليوم لا يبالون بالأثمان الباهظة لهزيمتهم ولا بدماء أبناء بيئتهم قبل غيرهم، لأن خيار الانقضاض النهائي على الدولة لا يزال يراودهم. وهم يراهنون على أن سلاحهم و"دولتهم العميقة" المتجذّرة كفيلان ببقاء اليد العليا لهم في الداخل.
بهذا المعنى، الدولةُ اللبنانية في حسابهم "أوهن من خيوط العنكبوت". ولن تكون المرة الأولى التي يخطئون فيها الحساب.