تتقاطع المؤشرات السياسية والعسكرية داخل إسرائيل عند نقطة شبه إجماعية تتمثل في اعتبار الحرب ضد "حزب الله" معركة تحظى بشعبية واسعة على مستوى الرأي العام الإسرائيلي، وخصوصًا بين سكان مستوطنات الشمال الذين يرون أن أي عودة إلى ما قبل المواجهة الحالية تعني بقاء الخطر قائمًا على حدودهم الشمالية.
وتكشف النقاشات داخل المؤسستين السياسية والعسكرية في إسرائيل أن المزاج العام يميل إلى تأييد استمرار العمليات حتى الوصول إلى هدف إنهاء قدرات "الحزب" بصورة كاملة، أو على الأقل إبعاده عن الحدود بشكل يبدد هواجس المستوطنين ويمنح الجيش الإسرائيلي هامش أمان طويل الأمد. وتذهب تقديرات إسرائيلية عديدة إلى أن نسبة التأييد لاستمرار الحرب ضد "الحزب" تتجاوز السبعين في المئة، في انعكاس مباشر لحجم الصدمة الأمنية التي خلفتها الجبهة الشمالية خلال الأشهر الماضية.
غير أن هذا الإجماع الظاهري يخفي في داخله تناقضًا عميقًا داخل العقل الإسرائيلي. فبقدر ما تبدو الحرب شعبية، فإن فكرة احتلال الجنوب اللبناني والبقاء فيه لفترة طويلة تثير مخاوف جدية داخل الجيش الإسرائيلي ودوائر القرار. والسبب يعود إلى الذاكرة الثقيلة لتجربة اجتياح عام 1982 وما تلاه من استنزاف طويل انتهى بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 تحت ضغط العمليات العسكرية والخسائر البشرية والسياسية. هذه العقدة التاريخية لا تزال حاضرة بقوة لدى القيادات العسكرية التي تخشى أن تجد نفسها مجددًا داخل بيئة معادية مفتوحة على حرب استنزاف طويلة، وخصوصًا في مناطق جبل عامل والقرى الحدودية التي شكّلت سابقًا مسرحًا للمواجهة اليومية.
ومن هنا يمكن فهم الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على "الترميد" الواسع للمناطق الحدودية، أي اعتماد سياسة التدمير الشامل للبنية السكنية والخدماتية والاقتصادية على قاعدة أن إزالة الحاضنة الجغرافية والبشرية تمنع "الحزب" من إعادة التمركز أو الاحتماء بالقرى والبلدات. فإسرائيل، التي لا تريد تكرار تجربة الاحتلال المباشر الطويل، تحاول خلق واقع ميداني مختلف يقوم على مناطق مفرغة من السكان والمنشآت، بما يخفف من احتمالات الاحتكاك المباشر الدائم ويقلّص مخاطر الاستنزاف التي عاشتها قبل انسحابها من الجنوب قبل أكثر من عقدين.
لكن هذه النقطة تحديدًا تحولت إلى مدخل أساسي استخدمه المفاوض اللبناني خلال المفاوضات الجارية في واشنطن، وبرز هنا دور رئيس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم الذي قرأ بدقة نقطة الضعف الإسرائيلية المرتبطة بالخوف من الغرق مجددًا في المستنقع اللبناني. وتفيد المعطيات المتداولة في كواليس التفاوض أن الرسالة اللبنانية كانت واضحة، أن الاعتداء على بيئة جبل عامل واستهداف الناس في أرواحهم وممتلكاتهم لن يؤدي إلى إخضاعهم أو دفعهم للاستسلام، بل سيؤدي إلى نتيجة معاكسة تمامًا، لأن المجتمعات التي تشعر بأنها مستهدفة وجوديًا تصبح أكثر التصاقًا بخيارات المواجهة لا أقل.
هذا الإدراك اللبناني لنقاط الضعف الإسرائيلية، سواء لجهة صعوبة الاحتلال الدائم أو لجهة الأمان الصعب في المستوطنات الشمالية القريبة من الحدود، فتح الباب أمام طرح عملي يحاول الجمع بين المتطلبات الأمنية الإسرائيلية والحاجة اللبنانية إلى وقف التدمير وإعادة السكان. ويقوم هذا الطرح على وقف شامل لإطلاق النار يترافق مع إعادة انتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية، على أن يجري التأكد من خلو نطاق انتشار الجيش من أي نشاط عسكري أو أمني للحزب، بالتزامن مع بدء عودة الأهالي إلى مناطقهم ضمن مراحل ومربعات تجريبية تسمح باختبار استقرار الوضع الميداني ومنع انهيار التفاهمات سريعًا.
وتشير أجواء الاتصالات إلى أن هذا السيناريو قد يشكّل المدخل الأكثر واقعية لإنجاح مفاوضات واشنطن بشقيها السياسي والعسكري الأمني، وخصوصًا أن مختلف الأطراف تدرك أن استمرار الحرب المفتوحة يحمل مخاطر متزايدة على الجميع. فإسرائيل تريد إعادة كل المستوطنين إلى الشمال من دون التورط في احتلال طويل، ولبنان يسعى إلى وقف النزيف البشري والاقتصادي ومنع تحويل الجنوب إلى أرض مدمرة بالكامل.
وفي هذا السياق، تبدو الأيام المقبلة على درجة عالية من الخطورة، إذ تتحدث مصادر متابعة عن محاولات كبيرة لتثبيت وقف إطلاق نار يمتد على الأقل لستة أسابيع، أي ما يوازي نصف المدة الفاصلة عن الانتخابات الإسرائيلية المبكرة المتوقعة. وإذا نجحت مفاوضات واشنطن في تحقيق تقدم ملموس، فإن فرص تمديد الهدنة لفترة إضافية تصبح مرتفعة، وهو ما قد يسحب من يد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واحدة من أبرز الأوراق التي يسعى إلى استخدامها في معركته الانتخابية الداخلية، عبر تحويل الحرب إلى منصة تعبئة سياسية وشعبية.