لم يكتب الكاتب البريطاني جورج أورويل روايته "1984" لمكان وزمان محدَّدَين. فهذا الكتاب الذي نُشرَ للمرّة الأولى في العام 1949 يحكي بصورة متخيّلة عن واقع حقيقي واصفاً الحكم الاستبدادي في وجوهه الأساسيّة، مستوحياً إيّاه من التجربتين الستالينيّة والنازيّة. غير أنّ ما يصفه الكتاب يتجاوز هذين التجربتين ليطال أيّ مكان تهيمن عليه الشمولية والسلطة المُطلَقة حيث كلّ شيء يخضع للرقابة وحيث لا قيمة للإنسان الفرد ولا وجود لحرّيّة التعبير على الإطلاق.
كُتب وأفلام كثيرة، وأيضاً برامج تلفزيونيّة، استوحت تلك الرواية التي أًصبحت مرجعاً يُستَشهد به كلّما تعلّق الأمر بالحديث عن نظام ديكتاتوري يقوم على العنف والتجسّس ويتحوّل معه المجتمع سجناً كبيراً. إذاعة "فرنسا الثقافيّة" عادت هذا الأسبوع إلى عالم أورويل، بصفته كاتباً ومفكّراً، من خلال حلقة خاصّة ركّزت فيها على نظرته إلى "لغة جديدة" يستعملها الطغيان بهدف القضاء على الفكر وتدمير الفرد واستعباد الشعوب. في موازاة العودة الدائمة إلى هذه الرواية، وبالتزامن مع تنامي التيّارات الشعبويّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة وأوروبا، التفتت دور النشر الفرنسيّة في السنتين الماضيتين إلى هذا الموضوع، وأصدرت كتباً ودراسات سبق أن نشرتها وتحمل تواقيع كتّاب معروفين من أمثال المنظّرة السياسيّة الألمانيّة حنّة آرنت والكاتب الإيطالي أومبرتو إيكو، وهي كتب تتناول ظاهرة الاستبداد التي يتطرّق إليها أورويل في عمله الروائي، وتفسّر الأسباب العميقة التي تؤدّي إليه.
يعمل النّظام الاستبداديّ، كي يتمكّن من بلوغ أهدافه - داخل السّجن كما في المجتمع كلّه - على تجريد الإنسان من مقوّمات وجوده، فيفرض رقابة كاملة على الحرّيّات الفرديّة والعامّة، وعلى النّوازع والانفعالات والأحاسيس وحتّى على الأحلام، وذلك ليصبح سائر أفراد المجتمع كأنّهم شخص واحد مُكرَّر ومُستَنسَخ. "داخل السجن، لا يعود الفرد شخصاً محدّداً، قائماً بذاته، بعد أن يُنزع عنه اسمه وهويّته وكلّ ما يتميّز به"، وفقَ حنّة آرنت. من هنا، فإنّ نجاح نظام الاستبداد يتعلّق بمدى قدرته على تطويع البشر وتدجينهم والتّعاطي معهم كحيوانات مُعدَّلة. أمّا المُخلصون لهذا النّظام فهم الّذين ينصاعون كلّيًّا لإرادة العنف. لا رأي لهم ولا موقف. يؤدّون وظائفهم، مهما كان نوعها، في صورة آليّة عمياء. ويتماهون مع أدوارهم الّتي تختزل حياتهم، وهم بذلك جزء من أدوات القهر. إشاعة الرُّعب ليست وسيلة من أجل غاية، بل هي جوهر الاستبداد نفسه والهدف السّياسيّ الأعلى منها هو جعل أفراد مجتمع ما في حالة دائمة من الخوف والامتثال للسّلطة الواحدة المُطلَقة.
أما أُمبرتو إيكو فيتحدّث في دراسة أعادت نشرها دار "غراسيه" الفرنسيّة وعنوانها "التعرّف إلى الفاشيّة" عن العلاقة بين الشعبويّة والفاشيّة كما عاينها بنفسه في إيطاليا إبّان الحرب العالميّة الثانية، والتي تلتقي في بعض جوانبها مع النازيّة والستالينيّة، ومن خصائصها: رفض الثقافة والحداثة، تمجيد الأمّة، التبجُّح بالبطولة، الشعور بالانتماء إلى الشعب الأفضل في العالم، الخوف من الآخر ورفض الاختلاف. ويحذّر إيكو من "الفاشيّة البدائيّة والأبديّة" التي يمكنها أن تعود في لباس مدنيّ وأن تكون مقنَّعة بألف قناع، ليخلص إلى القول: "من واجبنا أن ننزع عنها هذه الأقنعة وأن نفضح كلّ أشكالها الجديدة، كلّ يوم وفي أيّ مكان في العالم".
موضوع الطّغيان والسلطة الشموليّة شغلَ الكثير من المفكّرين والفلاسفة والكتّاب في القرن الماضي، والأفكار التي أتينا على ذكرها تحيلنا إلى مقولات بعضهم، ومنهم بالأخصّ، عالم الاجتماع بيار بورديو والمفكّر ميشال فوكو، وقد عالج الاثنان، كلّ وفق رؤيته ومنهجه، مسألة السلطة والعنف.
ما وصفه جورج أورويل في كتابه "1984"، وتبلور، في وقت لاحق، في دراسات بعض المفكّرين، هو صورة جليّة لفنون الاستبداد وجنونه والذي تطالعنا حتى اليوم نماذج متنوّعة منه في مناطق كثيرة من العالم، خصوصاً في الدول العربيّة حيث يتآخى، منذ عقود من الزمن، الظلم النادر الذي تعيشه شعوبها ومطامع الدول الكبرى ومصالحها.