حين نقرأ كلام أعظم الفلاسفة أو نصغي إلى أفضل المفكرين في الحقبة المعاصرة، سيقول معظمهم إن الغطرسة درع لإخفاء قلة المعرفة ومشاعر عميقة من انعدام الأمان.
لكنّ هذه الفكرة تُصعّب علينا فهم رئيس الطهاة البريطاني غوردون رامسي الذي لا يكفّ عن خوض التحديات. حتى أكبر المعجبين بصاحب المطاعم الشهير يعترفون بوجود جانب متغطرس لديه.
يحقق أشهر رؤساء الطهاة النجاح بفضل قدرتهم على تقديم أداء ممتاز وإدارة شؤونهم وإثبات تميّزهم في واحدة من أصعب بيئات العمل على الإطلاق.
في هذا السياق، يقول رامسي: "أنا أشبه جميع الناس. أنا خليط من الانضباط والعناد والشغف والنظام ووضوح الأهداف، وبعض الأنانية على الأرجح. لا أحد يستطيع تحقيق النجاح بلمح البصر، بل يجب أن نعمل باجتهاد. لكن يستطيع أي شخص أن يحقق كل ما يريده عبر بذل المستوى المناسب من الجهود وعدم التصرف بغباء".
خلال أزمة كورونا، اضطر رامسي لخوض معركة شاقة للصمود في مجاله، حتى أن هذه المعركة كانت أصعب من تلك التي واجهها حين تراجعت التجارة بنسبة 40% تقريباً خلال الأزمة المالية العالمية في العام 2008. كذلك، تُعتبر قوته الجغرافية (لديه مطاعم من الطراز الرفيع ويقع عدد كبير منها في الحي المالي في لندن) نقطة ضعفه الأساسية أيضاً، لكنه لا يكشف عن مخاوفه بسهولة بل يقول: "سنعود بقوة مضاعفة. سنعتبر هذه التجربة بداية جديدة وافتتاح جديد... أو مشروع أفضل مما كنا نفعله قبل إغلاق مطاعمنا. هكذا نضمن نجاتنا".
قد يتشجّع رامسي مجدداً نظراً إلى تباطؤ نشوء "الحياة الطبيعية الجديدة" في هذا القطاع، لكنه يسترجع الثقة أيضاً بفضل النجاحات الهائلة التي حققها في الماضي. هو يستفيد من ظهور عدد من أفضل خبراء الطعام في بريطانيا ويعترف بتفوق الفرنسيين والإيطاليين في هذا المجال، لكنه يضيف قائلاً: "نحن البريطانيين انضممنا إليهم بفضل تنوعنا وقدرتنا على جذب المطابخ العالمية التقليدية والاحتفال بها وتعديلها وإعادة ابتكارها. هذا النهج رفع مستوانا. الفرنسيون لن يقوموا بالمثل. هم يفضلون التمسك بهويتهم الفرنسية ويبرعون في ذلك. ويملك الإيطاليون على الأرجح أفضل مواد غذائية أساسية على الإطلاق، لكن لطالما تميزت بريطانيا والولايات المتحدة بتعدد الثقافات وتتسم أطباقنا بالقوة والتنوع بدرجة لا تُضاهى. إنه وضع مثير للاهتمام".
تضاف هذه المزايا كلها إلى عوامل الشغف وقوة التصميم والسذاجة الطفولية التي تبقي رامسي في أعلى المراتب دوماً. رغم جميع كلماته اللاذعة ونوبات غضبه أثناء وجوده في مطابخ الآخرين في برنامج الواقع الذي يشارك فيه، يثق رئيس الطهاة الشهير باتزانه وجدّيته عند تقييم فرص صموده.
يضيف رامسي: "لطالما كنت واثقاً بنفسي في مجال عملي لأنني حققتُ جميع الأهداف التي أصبو إليها. حين قررنا أنا وتانا [زوجته] أن نبيع منزلنا الأول لجمع المال اللازم لشراء المطعم الذي حقق لي النجاح، عشنا فترة عصيبة بمعنى الكلمة. أقمنا حينها في شقة مستأجرة في لندن ولم نكن متأكدين من نجاحنا في نهاية المطاف. لكنّ ذلك الخوف كان المحرك الذي دفعنا للمضي قدماً وبذل أقصى جهودنا لإنجاح عملنا. مع التقدم في السن وزيادة ثروتنا الشخصية، تزيد الموارد التي نستطيع الاتكال عليها في الأوقات الصعبة، لكن لا أحد يتقبل الفشل سواء كان الاستثمار كبيراً أو صغيراً. ذلك الخوف من الفشل الذي يتزامن مع الاندفاع لتحقيق كل نجاح جديد هو الذي يحفزني أكثر من أي شيء آخر. أحب هذا الشعور".
يستفيد رامسي حتماً من قدرته على قراءة الجمهور الذي يتعامل معه. لطالما عبّر ذلك الجمهور نفسه عن إعجابه بطباع هذا الرجل الذي يحارب انفعاله طوال الوقت، لذا لا عجب في أن يُعتبر رامسي ملك المطبخ في برامج الواقع فعلاً. لكنه يقول ساخراً: "انفعال؟ لا يسهل تحقيق النجاح الذي يسمح لك بالاسترخاء والاستمتاع به. وإذا اعترض شخص غبي طريقك ومنعك من المضي قدماً، لا مفر من أن تنفجر غضباً في وجهه. يجب ألا ننسى أيضاً أن المطبخ بيئة مضغوطة. إنه مكان ساخن ومشحون ومليء بالروائح. إنه المكان الذي تتدفق فيه الطلبات بلا توقف وحيث يخضع كل شيء لأقصى درجات التدقيق".
يُعتبر غوردون رامسي رمزاً ثقافياً يظهر على شاشات التلفزة منذ عشرين سنة، ويحظى أسلوبه وطبعه بإعجاب أكبر شريحة من الناس. قد يشاهده الجمهور لرؤية شغفه اللافت أو مقاربته المميزة أو لتعلّم طريقة سلق بيض السمان بكل بساطة، لكنّ قطاع الطعام كان ليصبح مجالاً باهتاً جداً لولا حضوره القوي. من الواضح أن التجربة التي يمنحها لكل من يشاهده تساعد الناس على تعلّم أسس العظمة والنجاح. قد يبدو طريقه مختصراً وبعيداً عن المخاطر للوهلة الأولى، لكن وراء عناده وسرعة غضبه يكمن شخص ناضل باجتهاد لبلوغ هذه المرحلة من النجاح.
لكن ماذا عن صفة الغطرسة؟ قال رئيس الطهاة الشهير ماركو بيار وايت يوماً إن "النجاح يشتق من الغطرسة"!
تعليقاً على الموضوع، يقول رامسي في النهاية: "أنا عملتُ تحت إمرة ماركو في فترة معينة وتعلّمتُ الكثير منه. كان شخصاً سريع الغضب وصارماً ودقيقاً وصعب المراس لأقصى درجة. لكني لا أظن أنني أخذتُ منه صفات كثيرة".