طرح الفيلسوف والمؤرخ اليوناني "فلوتارخ" معضلة فلسفية عُرفت باسم "سفينة ثيسيوس". تفترض المفارقة أن سفينة البطل اليوناني ثيسيوس بقيت في ميناء أثينا، وبمرور السنوات وتحت تأثير العوامل الطبيعية والبحر، بدأت أخشابها تتآكل، فكان الناس يستبدلون كل لوح خشبي تالف بآخر جديد ومتين، حتى جاء يومٌ استُبدلت فيه كل القطع بالكامل. هنا برز السؤال الفلسفي: هل السفينة الراسية في الميناء هي ذاتها سفينة ثيسيوس الأصلية؟
هذه المعضلة لا تقبع في أعماق كتب الفلسفة القديمة فحسب، بل تمشي حيّةً في رقعة جغرافية معقدة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط تُدعى لبنان. إذا تأملنا في تاريخ لبنان الحديث، نجد أن "سفينة الوطن" خضعت منذ تأسيسها سنة 1920 واستقلالها سنة 1943 لعمليات استبدال دورية وشاملة طالت كل تفاصيلها الهيكلية. لم يتبقَّ من "أخشاب" التأسيس الأولى سوى الاسم والموقع الجغرافي:
- الديمغرافيا والمجتمع: شهد لبنان نزيفاً مستمراً للهجرة نتيجة الحروب والاضطهاد وانعدام فرص العمل، وفي المقابل استضافت هذه الرقعة الصغيرة موجات متلاحقة من اللجوء والنزوح والتجنيس العشوائي. هكذا تغيرت الملامح البشرية للسفينة، وصار "اللبناني" يجد شبيهه في دياسبورا العالم أكثر مما يجده في زواريب وشوارع المدن والقرى اللبنانية.
- الاقتصاد والنمط المعيشي: تحولت السفينة من "سويسرا الشرق" القائمة على الخدمات والسرية المصرفية والبحبوحة والازدهار الاقتصادي، إلى ليرة منهارة واقتصاد مدولر بالكامل، يعتمد على غسيل الأموال واقتصاد "الكاش"، ولولا التحويلات الخارجية من المغتربين لفقد القدرة على البقاء على قيد الحياة.
- المؤسسات والسيادة: تآكلت مؤسسات الدولة التقليدية قطعةً قطعة؛ وبدلاً من الألواح الأصلية للقانون والقضاء والخدمات، والاقتصاد والمال والأجهزة الأمنية، رُكبت "ألواح بديلة" من الدويلات الميليشيوية - المافياوية، والحلول الترقيعية، وصولاً إلى استبدال "عقيدة فؤاد شهاب" بعقيدة "أميل لحود"، وعقيدة الاقتصاد الصناعي التجاري الزراعي المصرفي في عهد كميل شمعون باقتصاد ريعي بعد الطائف، بالإضافة إلى استبدال عقلية استخدام فائض الأموال لشراء وتخزين الذهب الوطني زمن ترؤس إلياس سركيس للمركزي بعقلية الهندسات والسعدنات المالية زمن رياض سلامة.
إن لبنان الخمسينيات، أو لبنان الستينيات، أو حتى لبنان بداية السبعينيات، يختلف جذرياً في تركيبته المادية والفكرية والثقافية والحضارية والعقائدية والوطنية عن لبنان اليوم. لقد استُبدلت القطع بالكامل تقريباً.
اللبنانيون يعيشون اليوم في فصام هوية حاد بين سفينتين:
- السفينة المتخيلة: وهي سفينة الأخشاب القديمة التي تُرمم في الذاكرة والحنين، وتتغذى على كتابات جبران، وأغاني فيروز، وصورة "لبنان الملجأ ومستشفى الشرق وجامعته".
- السفينة الواقعية: وهي الهيكل الحالي الهجين الذي يبحر بصعوبة وسط أمواج الأزمات المتلاطمة، محكوماً بالتسويات والفساد وتزوير الشهادات والارتهان الى دول أجنبية وصولا الى تزوير الهوية الثقافية والحضارية والتاريخية.
السؤال هنا ليس فلسفياً أو فكرياً، وإنما واقعي محزن: أين يقع لبنان الحقيقي؟ هل هو في تلك "الفكرة" القديمة التي تآكلت أخشابها وطارت في مهب الهجرة والحروب العبثية؟ أم في هذا الكيان الضائع كالريشة في مهب رياح مصالح الأمم؟ في الحلول الفلسفية لمعضلة ثيسيوس، يرى أرسطو أن ما يحدد هوية الشيء ليس "المادة" بل "الصورة والمخطط" والغاية التي وُجد من أجلها. وهنا يكمن سر الأمل بعودة لبنان الأصلي الحقيقي. المخطط الأصلي للبنان ليس نظاماً سياسياً أو عملة نقدية؛ المخطط هو "العقيدة" الفريدة التي تدعو إلى إدارة ذكية للتنوع الحضاري، وشغف الحياة العصي على الموت، والمرونة المجتمعية المميزة لطائر الفينيق التي تجعل الناس يعيدون بناء بيوتهم ومقاهيهم ومتاجرهم بعد كل انفجار أو حرب، وكأنهم يصرون على أن المخطط الأصلي يجب ألّا يسقط وإن فُقدت الأخشاب.
إن لبنان هو التجسيد الأسمى لسفينة ثيسيوس. إنه وطن يعيد اختراع نفسه مع كل مصيبة، بطريقة سحرية عجيبة. قد لا تكون السفينة التي نبحر فيها اليوم هي ذاتها التي ركبها الأجداد، وقد تكون الألواح الجديدة خشنة، رديئة الصنع، وتتسرب منها مياه الأزمات وروائح العمالة للدول الأجنبية؛ لكن طالما أن المخطط الإنساني والثقافي لهذا الوطن لا يزال حياً في وعي ركابه الأصليين، فإن السفينة ستبقى تبحر، حتى تصل إلى أهدافها الأصلية. فهل يكون قرار الكرسي الرسولي رفع مؤسس لبنان الكبير، المثلث الرحمات البطريرك إلياس الحويك، إلى رتبة مكرم، بارقة أمل ورسالة سماوية مفادها أن وطن الأرز باقٍ باقٍ باقٍ... مهما عصفت الرياح وتغيرت أخشاب السفينة؟