أورور كرم

الذكاء الاصطناعي لن ينفع إيران

4 دقائق للقراءة
لوحة إعلانية نُصبت في ساحة ولي عصر في طهران (أ ف ب)

أدخل التطوّر التكنولوجي معيارًا جديدًا على الحروب الحديثة، إذ لم تعد القوّة تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ، بل أيضًا بالقدرة على التحكّم بالرواية. وبينما تدخل المواجهة الأميركية - الإيرانية شهرها الرابع، يبدو أن المعركة الأكثر تأثيرًا لا تدور في البحر أو الجو، بل على الشاشات الصغيرة، حيث تختلط الدعاية بالسخرية، والسياسة بالذكاء الاصطناعي، والحرب بالمحتوى الترفيهي.

المفارقة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المعروف بقدرته الاستثنائية على استخدام الإعلام، وجد نفسه داخل معركة إعلامية تختلف عن كلّ ما سبق. فالرجل الذي بنى جزءًا كبيرًا من حضوره السياسي على الاستفزاز والصورة والشعارات السريعة، يحاول اليوم استخدام الأدوات نفسها في زمن الحرب: صور ساخرة، ومنشورات هجومية، ومقاطع تجمع بين الحرب والثقافة الشعبية الأميركية، لكن النتائج لا تبدو محسومة لمصلحته.

ترامب يفهم جيّدًا منطق المنصات الرقمية. منذ حملته الرئاسية الأولى، أدرك أن السياسة لم تعد تُخاض فقط عبر المؤتمرات الصحافية، بل عبر الصورة القابلة للمشاركة والعبارة القادرة على التحوّل إلى "ترند". إلّا أن ما تغيّر اليوم هو أن هذه الأدوات لم تعد حكرًا على الولايات المتحدة. إيران أيضًا تعلّمت اللعبة، وربما تتقنها أكثر ممّا يتوقعه الأميركيون.

كانت الدعاية الإيرانية تعتمد خطابًا تقليديًا مباشرًا يقوم على الشعارات الأيديولوجية والخطابات الرسمية خلال السنوات الماضية. أما اليوم، فالمشهد مختلف تمامًا. الحسابات المرتبطة بإيران تنتج محتوى سريعًا وساخرًا ومصمّمًا خصيصًا للجمهور الغربي، لا الإيراني فقط. فيديوهات قصيرة، وصور مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ورسائل تركّز على نقطة حساسة جدًّا داخل الولايات المتحدة: كلفة الحرب. هنا تحديدًا تظهر نقطة الضعف الأميركية. فإيران لا تحاول إقناع الأميركيين بحبّ النظام الإيراني، بل تدفعهم إلى التشكيك بجدوى الحرب نفسها. وهذا فارق أساسي في الحروب النفسية الحديثة. الهدف لم يعد إقناع الجمهور بالكامل، بل تفكيك قناعته وزرع الشكّ داخله.

في السياق، تتحوّل السخرية إلى أداة سياسية فعّالة. فحين يُقدَّم الخصم بصورة هزلية أو متناقضة، تتراجع هيبته تدريجيًا مهما بلغت قوّته العسكرية. وهذا ما فعله ترامب نفسه لسنوات مع خصومه السياسيين داخل أميركا، قبل أن يجد نفسه اليوم هدفًا للمنطق نفسه. لكن المشكلة الأعمق بالنسبة إلى واشنطن ليست في المحتوى الإيراني وحده، بل في التناقض داخل الخطاب الأميركي نفسه. فمن جهة، تحاول الإدارة الأميركية إظهار الحرب كمعركة ضرورية واستراتيجية. ومن جهة أخرى، تنشر أحيانًا صورًا ومنشورات تبدو أقرب إلى "الميمز" الساخرة منها إلى خطاب دولة تخوض حربًا إقليمية معقدة. وهذا ما يدفع جزءًا من الرأي العام إلى التعامل مع الحرب كعرض رقمي أكثر من كونها حدثًا جيوسياسيًا خطرًا، من شأنه معالجة ملف محوري هو ملف الشرق الأوسط، الذي شغل العالم بأسره منذ منتصف القرن الماضي.

كما أن الذكاء الاصطناعي غيّر طبيعة المعركة بالكامل. فإنتاج الدعاية لم يعد يحتاج إلى مؤسسات ضخمة أو ميزانيات هوليوودية. اليوم، يستطيع شخص واحد، باستخدام أدوات بسيطة، إنتاج فيديو قادر على الوصول إلى ملايين المستخدمين خلال ساعات. وهذا ما جعل الحرب الإعلامية أكثر فوضوية وأقل قابلية للسيطرة. وبات إسقاط مقاتلة "أف 35" أميركية مسألة وجهة نظر وسردية تقابلها سردية معاكسة، وباتت الوقائع الميدانية أيضًا مسألة رأي.

في النهاية، إيران لن تربح الحرب عسكريًا، والولايات المتحدة لا ولن تخسر تفوّقها الاستراتيجي، لكن ما يتغيّر فعليًا هو شكل النفوذ نفسه. فالدول التي كانت تحتكر صناعة الصورة لم تعد وحدها في الساحة، غير أن الدولة التي تركّز على الصورة المفبركة وتستخدم وسائل التواصل لنشرها، غدًا عندما تسكت المدافع والطائرات وتنتهي الحرب، ماذا ستطعم شعبها، وكيف ستبني اقتصادها… حينها، الذكاء الاصطناعي لن ينفع.