أكانت المفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، فذلك تبدّل في الشكل لا في الجوهر. هل سيحمل لبنان مطالب مختلفة إذا جرى التفاوض "عن بُعد"؟ وهل تتبدّل موازين القوى بتبدّل الطاولة؟ المفارقة أن هذه الميليشيا الإيرانية، ومن حيث لا تريد، حوّلت التفاوض المباشر فعلا سياديًا للدولة اللبنانية، في مقابل إصرارها على ربط "الورقة اللبنانية" بـ "اتفاق الإطار" بين طهران وواشنطن.
بلغت النزعة الانتحارية لدى هذه الجماعة حد مراكمة الأعداء فوق ركام الهزائم. ففي "حرب الوجود" التي أعلنتها، يبدو جوزاف عون ونواف سلام وأكثرية اللبنانيين وإسرائيل وأميركا في منزلة واحدة. وبذلك، لم يعد ارتداد السلاح المهزوم في الجنوب إلى الداخل اللبناني احتمالا بعيدًا، بل صار هاجسًا مطروحًا بقوة بعد التجييش المتصاعد ضد الجميع.
جاء الموقف الرسمي من تهديد نعيم قاسم بإسقاط الحكومة، أي بإسقاط الشرعية اللبنانية، دون مستوى خطورة الانقلاب الذي يُعد له. فلم يعد نزع السلاح مجرد سبيل إلى استرداد قرار الحرب والسلم وتفكيك "الدولة العميقة"، بل أصبح ضرورة لمنع سقوط حصون السيادة، وفي مقدمها قصر بعبدا والسراي الحكومي. من هنا، يصبح اشتراط الانسحاب الإسرائيلي كخطوة تسبق نزع السلاح شرطًا فاقدًا معناه. كيف نبحث في عودة الجيش إلى الجنوب، فيما الميليشيا على وشك الانقضاض على الشرعية، وتاليًا على جيش هذه الشرعية في بيروت؟
كان نزع السلاح واجبًا بعد "اتفاق الطائف"، وبعد القرار 1559، وبعد انسحاب عام 2000، وبعد القرار 1701، وبعد اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024. وهذا العصيان المتمادي أضر بسيادة لبنان قبل افتعال حربَي الإسناد العبثيتين وكارثتهما المستمرة. لذلك، على الدولة أن ترفع جرعة الجرأة وأن تبادر إلى إجراءات ميدانية لنزع السلاح، لأنه المدخل إلى الانسحاب الإسرائيلي، ولا مدخل سواه.
هناك من أعلن أنه سيُسقط الدولة الشرعية بسلاحه غير الشرعي. وهناك من يعلن ويوحي كل يوم أن الجيش اللبناني مؤسسة منفصلة عن "السلطة الجائرة"، وأنه لن يتحرك بناء على أوامرها. لقد وقع "الانقلاب الاسمي"، وعلى الدولة أن تبادر قبل "الانقلاب الفعلي"، لا بعده.
إن لم تحصل هذه "الانتفاضة" الفكرية والفعلية داخل أركان الدولة، سيبقى موقف لبنان ضعيفًا في المفاوضات المباشرة الجارية، ولن يتلقى هدايا في واشنطن ما لم يمسك بزمام المبادرة في بيروت. يجب ألّا يتحوّل "الإنكار" إلى عدوى تنتقل من "الدويلة" إلى الدولة.
ستبقى المفاوضات في واشنطن تراوح مكانها كأنها محطة "ربط نزاع"، فيما يتقدّم الجيش الإسرائيلي في الجنوب، دافعًا الميليشيا إلى مغامرة انتحارية قد ترى في محاولة احتلال بيروت خيارها الوحيد لتعويض الهزيمة المنكرة. وإذا أقدمت على هذه الخطوة، فمصيرها الهزيمة على يد الجيش اللبناني الذي سينفّذ، من دون تردد، قرار الشرعية. لكن السؤال الأخطر يبقى: ماذا بعد ذلك؟
هل ينجو "نظام الطائف" ويُعاد بناؤه بعد المعركة، أو حتى بعد "اللامعركة" مع الفصيل الإيراني؟ علّمتنا التجارب اللبنانية أن الهزائم، على أنواعها، لا تلغي صراع الهويات، بل تؤجّجه. والتعامل اليومي مع الوقائع، ولو تزيّن بمبدئيات من نوع "دولة قانون ومؤسسات"، لن ينتج حلولا مستدامة في غياب الأهم: رؤية جديدة للنظام في عالم تغيّر كثيرًا منذ "اتفاق الطائف"، وتغيّر معه اللبنانيون.