الأرقام لا تكذب. هذه أرقام التصويت الدرزي في الانتخابات النيابية الأخيرة، بحسب الباحث جان نخّول: اقترع مئة ألف درزي ونيّف، حصلت منهم الزعامة الجنبلاطية على حوالى اثنين وخمسين ألف صوت تفضيلي. يعني هذا أن الصورة الشائعة عن الدروز كطائفة مغلقة منقادة كليًا وراء وليد جنبلاط غير صحيحة. نصف الطائفة تقريبًا ليس معه. هذا علمًا أن الثورة حازت على أكثر من أربعة وعشرين ألف صوت، ما جعلها القوّة الثانية بين الدروز.
استطرادًا: حازت الثورة على حوالى 18 في المئة من الصوت السنّي، إذ حصد التغييريّون 80 ألف صوت سنّي ونيّف، وعشرة في المئة من الصوت المسيحي، أي 54 ألف صوت ونيّف، وأقل من أربعة في المئة عند الشيعة، أي حوالى 21 ألف صوت. بالمقارنة، يبدو الدروز الذين منحوا الثورة تقريبًا ربع أصواتهم أكثر الجماعات اللبنانية تململا من زعاماتها والمستعدّة للتغيير.
حصل كلّ ذلك قبل المجزرة الرهيبة التي حلّت بدروز السويداء في سوريا، وخلّفت وراءها نقمة درزية لبنانية على وليد جنبلاط لا تخطئها عين، بسبب رهانه على الرئيس أحمد الشرع. التقديرات بالسياسة تخطئ أو تصيب، والتواضع دائمًا واجب. ولكن المؤشرات توحي أن حصّة جنبلاط من التصويت الدرزي في الانتخابات المقبلة لن تتحسّن. ومن يدري؟ ربّما يشهد لبنان للمرّة الأولى بعد نهاية الحرب غالبية طفيفة من أصوات الدروز تذهب لغير زعامة المختارة. هذه خلفية أداء وليد جنبلاط منذ مدّة.
في المجتمعات المتجانسة طائفيًا، يضطر السياسي الذي يشعر بضمور قاعدته الشعبية إلى تقديم حلول جدّية للمشاكل الحياتية. أقلّه، هو ملزم بالتظاهر أنّه يأبه بمشاكل كغلاء المعيشة، وفرص العمل، والضمان الصحّي، وما شاكل. بالمقابل، حياة السياسي في المجتمعات المستقطبة طائفيًا أسهل بكثير: كلّ ما عليه فعله لتصليب زعامة مهتزّة هو شدّ عصب الجماعة، واختراع مشكل مع زعماء مكوّنات أخرى، والتحريض.
هذا ما يفعله جنبلاط منذ فترة. في الحقيقة، التحريض هو كل ما يفعله. للتذكير، من كل زعماء الحرب، وليد جنبلاط هو الوحيد الذي لا يزال يحتفي بمحطّاتها الدموية، كما فعل منذ أشهر قليلة يوم استفاق فجأة على ذكرى "تحرير" الشحّار الغربي، والتحرير هو الاسم الحركي بلغة وليد جنبلاط للتطهير العرقي، وقتل الناس على الهوية، وطردهم من بيوتهم، بمن فيهم من أمضى عقودًا في التصويت لوالده. واليوم، يخترع وليد جنبلاط مشكلا مع سمير جعجع في حديثه مع صحيفة فرنسية، لتغرق وسائل التواصل الاجتماعي بعده بحفلات شتائم مقذعة بين أنصار جنبلاط وأنصار جعجع، دون أن يفهم أحد أي مسألة لبنانية جدّية يحلّها توتير العلاقة بين قواعد القوّات والاشتراكي، بينما يستمر حمّام الدمّ جنوبًا، وتتوالى مأساة لبنان فصولا.
على المستوى المباشر، يحتاج لبنان إلى نزع سلاح الميليشيا الشيعية التي جعلت من بلادنا متراسًا إيرانيًا متقدّمًا في المنطقة، ودفعت الاستقطاب الداخلي اللبناني إلى حد غير مسبوق. وعلى المستوى الأبعد، يحتاج لبنان إلى اثنين: الحياد، كي لا تعود بلادنا ساحة لصراعات المنطقة وحروبها، والفدرالية، كي تضمن المكوّنات لبعضها البعض حقّها المتبادل في تقرير مصيرها، بغضّ النظر عن تحوّلات الديموغرافيا، وكي تنمو المناطق خارج بيروت وجبل لبنان ذاتيًا، بمعزل عن الصراع على السلطة في العاصمة. هذا ما يحتاجه كلّ اللبنانيّين، ومنهم الدروز. وهذا ما تلهي عنه حفلات الردح على مواقع التواصل التي أطلقها وصف جنبلاط لجعجع بـ "موسى".
لست من محازبي جعجع. ولو كنت منهم، لامتنعت عن تصويب السهام على وليد جنبلاط، لأنّ اختراع مشكل مع القوّات اللبنانية يحرّك فورًا ذاكرة الحرب وجراح الدروز فيها، ما يقوّي زعامة آل جنبلاط بينهم، وهو كل ما يهم الرئيس السابق للاشتراكي. ولا أنا طبعًا من محازبي جنبلاط، ولو أن جدّي لأبي صرف عمره بالاقتراع الوفي لكمال جنبلاط دورة بعد دورة. ولو كنت محازبًا جنبلاطيًا، لانتبهت إلى أنّ المسيحيّين جماعة لبنانية تريد "السترة"، كما نقول بالعامية، ولا تشكّل خطرًا على الدروز، ولا على أحد في الحقيقة. هذا علمًا أن الدروز بدورهم ليسوا خطرًا على المسيحيّين، ولا على أحد. اختراع مشكل مسيحي درزي سخيف في أي ظرف. ولكنّه في الظرف الحالي سوريالي تمامًا. هل لنا، تاليًا، أن نتمنّى على الملياردير وليد جنبلاط، الذي يتسلّى تارة بشتم الموارنة كجنس عاطل، وطورًا باختراع مشكل لأسباب غير واضحة مع زعاماتهم، بأن يجد طريقة أخرى لمحاربة السأم، وتعزيز زعامته المهتزّة؟