تصدر "دار النهار" في الأيام المقبلة كتاب "معركتي الأخيرة" للعميد الركن الراحل سليم كلّاس، ويتضمن محطات من سيرته العسكرية الطويلة والمعارك التي خاضها دفاعًا عن الشرعية وسيادة لبنان، خصوصًا في أثناء توليه قيادة اللواء الثامن بين عامي 1984 و1990. وقد خصّت "دار النهار" "نداء الوطن" بواحد من فصول الكتاب الذي يضيء على أشهر مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. وجاء فيه:
في السفارة الفرنسية
"أقامت السفارة الفرنسيّة في بيروت حفل استقبال بمناسبة العيد الوطني في قصر الصنوبر، في 14 تمّوز 1990، وقد تمّت دعوتي من السفارة الفرنسيّة، وحينها طلب منّي الجنرال عون ألّا أذهب، ولكنّني أصرّيت على تلبية الدعوة. وخلال المناسبة، صادف وجود العماد إميل لحّود محاطًا بأركان القيادة العسكريّة وعدد من قادة الألوية. حينها، تقدّم منّي اللواء نبيه فرحات، مدير مخابرات الجيش، واقترح عقد خلوة مع العماد لحّود.
خلال هذا اللقاء، قدّم اللواء فرحات مبادرة تدعو إلى اعتراف عون بقيادة العماد لحّود، مقابل التزام كلّ الفريق العسكري بالتنسيق الكامل معه، ليكون الجيش أداة توحيد في سبيل إعادة بناء الوطن. قمت بنقل المبادرة إلى العماد عون، الذي رفضها معتبرًا أنّها تفتقر إلى الجدّيّة المطلوبة.
قبل أسابيع من العمليّة العسكريّة السوريّة، برزت محاولات متكرّرة من جهات عدّة لتلافي المواجهة.
تدخّل دولي
في 17 آب 1990، زارني في مكتبي خطّار حدثي، ابن شقيقة الرئيس إلياس الهراوي، وأبلغني أنّ السفير البريطاني في بيروت، آلن رمزي، يرغب بلقائي في منزله في الرابية لأمر عاجل.
خلال الاجتماع، أوضح السفير أنّ حكومته لا تعترف بشرعيّة حكومة عون، وأنّ البلاد تقف على حافّة هاوية خطيرة. كما نقل رسالة واضحة من لندن: ضرورة إيجاد حلّ يوفّر ضمانات للعماد عون، ويمنع وقوع صدام دموي، مؤكّدًا أنّ القرار السوري بالحسم العسكري قد اتُّخذ فعليًّا في حال لم يتمّ التوصّل إلى تسوية.
نقلتُ الرسالة إلى العماد عون بناءً على طلب السفير، مشدّدًا على خطورة الوضع، خاصّة أنّ التحذير صادر عن دولة عظمى قريبة من دوائر القرار الأميركي.
في اليوم التالي، أبلغني السفير بأنّ ردّ عون كان سلبيًّا، وجاءه عبر مدير القصر الجمهوري. ومع ذلك، أصرّ على ترتيب لقاء مباشر بينه وبين عون، في مكان غير رسمي، لأنّ قرار الحسم أصبح مسألة وقت.
لقاء منتظر... وحضور غائب
وافق العماد عون على عقد اللقاء، الذي حدّد في منزلي في الحازميّة يوم الخميس 23 آب. حضر السفير البريطاني إلى المكان، بينما تخلّف عون عن الحضور، حفاظًا على مصداقيّتي اتّصلت بعون وطلبت من السفير التكلّم معه مباشرةً، تبادل خلاله الطرفان الحديث. بدا الغضب واضحًا على السفير، بعد الاتّصال. أعلمني السفير أنّ عون لم يفهم الرسالة ونصحني بضرورة الخروج مع عائلتي من لبنان حفاظًا على سلامتنا.
كما طلب موافقة العماد عون على انتدابي للمشاركة في دورة دراسيّة في "Royal Army Institute" في بريطانيا، بدعوة خاصّة من حكومته. عبّرتُ له عن رغبتي بالبقاء إلى جانب جنودي في هذه المرحلة الصعبة، لكنّني أبديت استعدادًا لإرسال عائلتي خارج البلاد.
نقلتُ لعون مضمون اللقاء، فجاء ردّه التقليدي: "لن أرضخ للضغوط، ولا مانع أن تغادر عائلتك البلاد، لكنْ، إنّه لن يحصل شيء خلال هذه الفترة".
وبعد أسبوع، غادرت عائلتي من مطار بيروت باتّجاه بوسطن، وسط إجراءات أمنيّة غير لبنانيّة رافقتها حتّى صعود الطائرة.
محاولة الفرصة الأخيرة: قبيل العاصفة
مع اقتراب الهجوم السوري، لم تتوقّف المحاولات لتجنيب البلاد الكارثة. في محاولة ثانية أخيرة، رافقتُ خطّار حدثي والعقيد عامر شهاب، مدير المخابرات، بناءً على تكليف من الرئيس إلياس الهراوي، لعقد لقاء مباشر مع العماد ميشال عون.
الهدف كان واضحًا: التوصّل إلى تسوية لبنانيّة - لبنانيّة، منعًا لحقن الدماء وتقديم طلب تنازلات متبادلة من جميع الأطراف. تمّ اقتراح عقد اللقاء في المتحف الوطني، على خطّ التماس.
لكنّ العماد عون رفض بشكل قاطع. في باطنه، وعلى الرغم من تكتّمه الدائم، لم يكن مستعدًّا لقبول أيّ تسوية لا تبدأ باستقالة الرئيس الهراوي، تليها انتخابات رئاسيّة جديدة. كان يبرّر ذلك بتمسّكه بالسيادة الوطنيّة و"جوهر القضيّة اللبنانيّة"، كما كان يصفها.
بالتوازي مع تعنّته، عمد عون إلى استخدام الشارع في معركة سياسيّة جديدة، محاولا استقطاب خصومه. فدعا مؤيّديه للتظاهر سلميًّا على خطوط التماس، وأمر بإزالة الألغام من السواتر الترابيّة في منطقة الشيّاح، مروّجًا لشعارات وطنيّة جامعة. لكنّ هذه المناورة لم تنطلِ على المجتمع الدولي، الذي أوعز إلى الرئيس حافظ الأسد بالتحرّك سريعًا لإنهاء التمرّد.
التحرّك الدولي الأخير: تحذير صريح من الموفد الغربي
في مطلع تشرين الأوّل، وصل إلى بيروت موفد عربي على عجل وهو الأخضر الإبراهيمي، ورافقني للقاء عون في محاولة أخيرة لإقناعه بالحلّ التوافقي. كان اللقاء عاصفًا، إذ أصرّ ميشال عون على موقفه ورفضه للتسوية.
وقبل مغادرته، قال الموفد للعماد بلهجة واضحة: "أعلم جيّدًا أنّ لك في هذا المكتب عشرة أيّام فقط، على عدد أصابع اليد". بقيتُ مذهولًا من هذا المشهد، بعدما وصلت الأمور إلى طريق مسدود.
عندها، صدر الضوء الأخضر الأميركي للرئيس حافظ الأسد: التمرّد يجب أن يُحسم بالقوّة.
في 11 تشرين الأوّل، تعرّض ميشال عون لمحاولة اغتيال فاشلة أثناء إلقائه خطابًا في قصر الشعب. أدرك حينها أنّ الأمور دخلت في مرحلة الحسم. طلب من مؤيّديه إخلاء الباحات المحيطة بالقصر حفاظًا على سلامتهم.
وفي المساء، عبر إيلي حبيقة معبر المونتفردي باتّجاه القصر الجمهوري، حاملا رسالة شفهيّة من اللواء غازي كنعان، تُفيد أنّ الهجوم السوري بات وشيكًا، مع تحديد توقيته الدقيق.
في خطوة عاجلة، وافق على إرسال وفد إلى عنجر للتفاوض مع اللواء كنعان. ظنّ أنّ هذه المبادرة قد تؤجّل الهجوم وتمنحه فرصة جديدة للمناورة. في الحقيقة، كان الجانب السوري يعمل على تهيئة الأرضيّة السياسيّة والعسكريّة للتعاون المستقبلي مع الجيش اللبناني بعد سقوط بعبدا.
تدخّلت الرئاسة الفرنسيّة في محاولة أخيرة لوقف الهجوم. وبإلحاح من السفير الفرنسي، قَبِل عون توقيع إقرار من تسعة بنود يعترف فيه بشرعيّة الرئيس الهراوي، ويؤمّن له مستقبلا سياسيًّا.
رضخ ميشال عون أخيرًا. واستُدعي العقيد عامر شهاب ليكتب الاتّفاق بخطّ يده، باللغة الفرنسيّة. جاء فيه:
رفع الحصار عن المنطقة الشرقيّة.
الاعتراف بشرعيّة الرئيس إلياس الهراوي.
استقالة حكومتَيْ عون والحصّ.
تشكيل حكومة وفاق وطني تمثيليّة وذات مصداقيّة.
حلّ الميليشيات.
توحيد الجيش.
عدم تعيين نوّاب جدد.
إجراء انتخابات نيابيّة حرّة تحت مراقبة الأمم المتّحدة.
إقرار الإصلاحات الدستوريّة.
بعبدا، 12 تشرين الأوّل 1990 – توقيع العماد ميشال عون (من كتاب "السادس والسبعون" - أنطوان سعد)
كُلّف العقيد شهاب بتسليم الوثيقة شخصيًّا للسفير الفرنسي René Ala لإبلاغ الرئيس الهراوي وطلب تأجيل الهجوم. لكنّ الهراوي اشترط أن يُعلن عون بنفسه، من السفارة الفرنسيّة، قبوله الكامل ببنود الاتّفاق، رفضًا لأيّ مناورات إضافيّة.
لكنّ الوقت كان قد نفد. وعلى الرغم من توقيعه، فإنّ القرار قد اتُّخذ، ولا عودة عنه.
لم يُطلع العماد عون حكومته أو أقرب مساعديه على الاتّفاق أو على تنازلاته الأخيرة. ظلّ يراهن على وعود وهميّة من حلفائه الفرنسيّين، متجاهلا حقيقة أنّ هذه التسوية جاءت متأخّرة جدًّا، بعد رفضه المتكرّر لمبادرات كثيرة سبقتها سواء أكانت دوليّة، أو عربيّة ومحلّيّة.
وعلى الرغم من أنّ بإمكانه تجنيب الجيش الهزيمة، وحماية جنوده، والرمزيّة الوطنيّة لمقرّات الدولة، اختار العماد الرهان على آخر ورقة... خاسرة.
في مساء 12 تشرين الأوّل، انعقد اجتماع أمني في القصر الجمهوري في بعبدا برئاسة العماد ميشال عون. كان الهدف تقييم التطوّرات العملانيّة والتطوّرات الأمنيّة بعد محاولة اغتياله الفاشلة. شاركتُ في الاجتماع إلى جانب مدير عامّ الأمن العامّ، ومدير المخابرات، وضبّاط الأركان الكبار.
خلال اللقاء، تمّ عرض أوامر العمليّات الصادرة عن وحدات الجيش السوري المشاركة في الهجوم المرتقب. كانت المعلومات واضحة وصريحة، والتحضيرات لا تترك مجالا للشكّ. ومع ذلك، استبعد عون حصول أيّ هجوم فجر الغد، وطمأن الحاضرين أنّ هذه التسريبات ليست سوى وسيلة للضغط النفسي تمهيدًا لإخضاعه لمطالب "مجموعة الطائف".
أكّد لنا أنّ لديه تطمينات فرنسيّة رسميّة، وأنّ الرئاسة الفرنسيّة تضمن له عدم حصول أيّ خرق للمنطقة الحرّة.
لكنّه، وكعادته، أبقى حكومته في الظلام. لم يُخبرهم عن توقيعه على ورقة التسوية، ولم يفصح عن قبوله شروط الوساطة الفرنسيّة. اكتفى بالقول إنّه سيرسل وفدًا يمثّله في اليوم التالي للتفاوض مع رئيس جهاز الاستطلاع السوري، اللواء غازي كنعان، في عنجر.
على الرغم من محاولاته في طمأنتنا، لم أقتنع. كنت أشعر أنّ العماد يخفي عنّا شيئًا ما، فالمعطيات التي بحوزتي كانت معاكسة تمامًا. وردني عدد من الاتّصالات من قِبل ضبّاط رفاقي في قيادة العماد لحّود أبلغوني بالحتميّة الأكيدة للهجوم عند الفجر.
