برز تطوّر على الساحة العراقية خلال الأيام الأخيرة، من شأنه إعادة رسم الخريطة العسكرية والأمنية في "بلاد الرافدين"، وخلط الأوراق السياسية والحكومية. التطوّر غير المسبوق، تمثّل في إعلان خمسة فصائل مسلّحة، لطالما كان لها تمثيلها السياسي في البرلمان والحكومة، عزمها على بدء تسليم سلاحها إلى السلطات الشرعية، بينما امتنع فصيلان عن ذلك، هما "حركة النجباء" و"كتائب حزب الله".
خطوة الفصائل المتقدّمة، لم ترقَ بعد بطبيعة الحال إلى حدّ التطبيق على أرض الواقع، إنما لا تزال تندرج ضمن إطار إعلان "حسن النيّات"، كذلك لا تزال تفاصيلها كما آلياتها التنفيذية غير واضحة المعالم، خصوصًا أن أي إعلان حكومي رسمي تطبيقي لم يصدر بعد.
يردّ الخبراء أحد أسباب موافقة هذه الفصائل على تسليم سلاحها، إلى الضغوط الأميركية المهولة التي يقودها قائد سفينة "العمّ سام" على سلطات بغداد منذ بداية العام الحالي، وهي شملت عقوبات اقتصادية طالت أطراف عدّة في "بلاد الرافدين"، فضلا عن وقف أجزاء من شحنات الدولار، وتعليق التعاون الأمني والتدريبي للقوات العراقية المسلّحة، وربط أي دعم أميركي من هذا القبيل بتقدّم حقيقي في مسألة حصر السلاح.
لا ريب في أن هذه الضغوط فعلت فعلها في العراق، فهي طالت الفصائل بصورة مباشرة، خصوصًا قادتها وكياناتها المالية، وقد ربطت الإدارة الأميركية أي دعم للاقتصاد العراقي المترنّح والمعمتد على الدولار الأميركي، بتفكيك البنى العسكرية الرديفة للدولة المركزية، أو دمجها ضمن مؤسساتها الرسمية، وبشروطها.
يتوقع المراقبون ألّا تكون رحلة حصر السلاح بيد الدولة العراقية مفروشة بالورود، بل على العكس، يرجّحون أن تكون مزنّرة بالألغام السياسية والطائفية، لا سيما أن غالبية هذه الفصائل هي إيرانية الهوى، وتدين بالولاء المطلق لأولياء نعمتها وأمرها في طهران. وهنا يُفهَم رفض "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" القاطع تسليم السلاح، كون الفصيلين المسلّحين يُعدّان شديدي الالتصاق بملالي طهران، وهما مدرجان على لوائح الإرهاب والعقوبات الأميركية.
لذلك يشكّك الخبراء كثيرًا في قدرة حكومة علي الزيدي، الطرية العود، على تنفيذ المشروع، في خضمّ التطوّرات الإقليمية الساخنة على تخوم العراق، ويدرجون الأمر في خانة شراء الوقت والهروب إلى الأمام، في انتظار اتضاح معالم الصورة الإقليمية الجديدة.
لطالما عانت الحكومات العراقية المتعاقبة الأمرَّين بعد عام 2003، بسبب معضلتي "ازدواجية السلاح" و"ازدواجية القرار" في مؤسسات الدولة العراقية، حيث تتمتّع الفصائل المسلّحة بغطاء مؤسساتي يمنحها امتيازات سياسية، وهي تتّكئ على انتماءات عقائدية، ما يجعل ملف حصر السلاح بيد الدولة في "بلاد الرافدين" أحد أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية.
بيد أن النقطة المضيئة في هذا الملف تمثّلت في بادئ الأمر بإعلان "التيار الوطني الشيعي" الذي يتزعّهم السيّد مقتدى الصدر، خطوات جذرية لإعادة هيكلة جناحه المسلّح "سرايا السلام"، من خلال فصله تنظيميًا عن التيار السياسي، وتحويل عناصره إلى مؤسسات مدنية، في خطوة رمت ربما إلى إعادة تنظيم العلاقة بين العمل السياسي البحت وذاك العسكري.
يبقى لقابل الأيام أن يُثبت جدّية طرح الفصائل، ومدى قابليته للتنفيذ على أرض الواقع. فهل تبدأ حقًا رحلة حصر السلاح في يد الدولة العراقية، لتشكّل رافعة كبيرة لحكومة الزيدي المتعطّشة لتحقيق أي إنجاز عملي؟ أم أن خطوة الفصائل لا تعدو كونها "تكتيكات ظرفية"، هدفها كسب الوقت، والبقاء على قيد الحياة السياسية، إلى حين سكون عاصفة الحروب في المنطقة؟