الدكتور سايد حرقص

ماذا يعني سقوط قلعة الشقيف؟

4 دقائق للقراءة

تأتي الرياح من وادي الليطاني محمّلة بغبار القرى المهدّمة وروائح البارود والدم والحزن. وعلى ارتفاع يقارب سبعمئة متر فوق سطح البحر، حيث تعانق الغيوم حجارة قلعة الشقيف التاريخية منذ أكثر من ألف عام، لم يعد الصمت الآتي من أعماق التاريخ سيّد المكان. هناك، فوق الحصن الذي أطلق عليه الصليبيون اسم "بوفور" أو "الحصن الجميل"، يرفرف اليوم علم العدو، وتُدنَّس مجدداً جغرافيا عُمِّدت بالدموع والدماء، فيما كان أهلها يظنون أن زمن الاحتلال والوجود الغريب قد ولّى إلى غير رجعة.


في 30 أيار 2026، اهتزّت الأرض تحت أسوار القلعة مع إعلان لواء "غولاني" الإسرائيلي إحكام سيطرته على القلعة ومحيطها. مع هذا الإعلان، لم يسقط مجرد موقع عسكري أو نقطة رصد استراتيجية، بل سقط جزء من الوجدان التاريخي والرمزي لسردية التصدي والصمود وتوازن الرعب و"نحمي ونبني" التي سوّقها حزب الله.


حين تنظر إلى القلعة اليوم، تسمع صدى التاريخ وهو يجادل روايات الحاضر. هنا تعاقبت الجيوش والإمبراطوريات، وهنا شهدت المنطقة صراعات طويلة بين القوى المتنازعة. وفي سبعينيات القرن الماضي، تحوّلت المنطقة إلى "فتح لاند"، إحدى ساحات الصراع المسلح الذي غيّر وجه الجنوب اللبناني لعقود طويلة.


لكن ذاكرة المكان تستحضر بصورة خاصة حزيران 1982، حين اندفع الجيش الإسرائيلي عبر الممر التاريخي المعروف بـ"ركبة الليطاني". هناك دارت معركة شرسة استمرت سبعة عشر ساعة بين القوات الإسرائيلية والمقاتلين الفلسطينيين الذين تمركزوا داخل القلعة. وانتهت المعركة بسقوط الموقع بعد قتال عنيف، لتصبح الشقيف إحدى أكثر المحطات دموية ورمزية في تاريخ الجنوب الحديث.


أما اليوم، فيُعيد التاريخ نفسه، ولكن بصورة مختلفة ومحزنة. فالقلعة التي صمدت 17 ساعة سنة 1982 سقطت بسرعة لافتة ومن دون معركة بحجم رمزيتها التاريخية، فيما انشغل جزء من الرأي العام بسيل من الروايات والصور والمقاطع المتناقضة التي عكست حجم الصدمة أكثر مما عكست حقيقة ما جرى على الأرض.


عسكرياً، يشكل سقوط الشقيف تحوّلاً بالغ الخطورة. فالقلعة التي بُنيت لتكون "العين التي ترى كل شيء" تملك قدرة استثنائية على التحكم بمساحات واسعة تمتد من النبطية وإقليم التفاح وصولاً إلى القطاع الشرقي.


ومن هذا المنطلق، فإن خسارة القلعة تعني فقدان واحدة من أهم نقاط الإشراف والسيطرة في جنوب لبنان، الأمر الذي يجعل القرى والمرتفعات المحيطة أكثر عرضة للضغط العسكري، ويمنح إسرائيل هامشاً أوسع لفرض وقائع ميدانية جديدة قد تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة إلى إعادة رسم معادلات السيطرة على الأرض.


اليوم، يخيم صمت ثقيل على الشارع اللبناني المرهق بالحروب والتهجير والانهيار الاقتصادي، وتتنازعه قراءتان متناقضتان للمشهد:

الرواية الأولى، التي يروّج لها حزب الله، تعتبر ما يجري جزءاً من مناورة ميدانية أو استدراج تكتيكي يهدف إلى استنزاف القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

أما الرواية الثانية، فتستند إلى قراءة ميدانية ترى أن الحزب تعرّض خلال الأشهر الماضية لضربات قاسية أثّرت على قدراته العسكرية والبشرية، وأن ما يحدث يعكس اختلالاً متزايداً في ميزان القوى على الأرض لمصلحة إسرائيل.


وبين الروايتين يبقى الواقع أكثر قسوة من الشعارات. فالجنوبي الذي فقد منزله وأرضه ومصدر رزقه لا يسأل عن تفاصيل النظريات العسكرية؛ بل يسأل عن النتيجة النهائية: كيف يمكن وقف التهجير؟ وكيف يمكن حماية ما تبقى من الأرض والسيادة والناس؟


ومن هنا يبرز السؤال الذي بات يتردد في أوساط لبنانية واسعة: إذا توافرت ضمانات دولية فعلية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، فهل تمتلك الدولة اللبنانية، بمؤسساتها السياسية والعسكرية، القدرة على حصر السلاح بيد الشرعية وحدها واستعادة قرار الحرب والسلم؟


إن الدرس الأهم الذي يفرضه سقوط قلعة الشقيف هو أن الأوطان لا تُبنى بالرهانات الخارجية، ولا تُحمى بالشعارات الرنانة، بل بدولة قوية تحتكر السلاح والقرار. وإلا فإن الجنوب سيبقى يدفع، مرة بعد مرة، ثمن حروب تُخاض على أرضه من "فتح لاند" إلى "إيران لاند"، فيما يحصد أبناؤه الخسارة والدم والدمار والدموع والانتظار.