الدكتور وسام راجي

"مرسوم 1994": جنسية على حافة الطعن وملفّ لا يُقفل

19 دقيقة للقراءة
قصة دولة تدير الهوية على طريقة الملفات

في لبنان، كثيرًا ما تبدو العلاقة بين المواطن والدولة هشّة. فالحقوق والخدمات لا تُدار دائمًا كاستحقاق مكتسب، بل كثيرًا ما تتأثر بموازين النفوذ والزبائنية. وفي هذا السياق، شكّل مرسوم التجنيس الجماعي الرقم 5247، الصادر في 20 حزيران 1994، أكبر عملية تجنيس في تاريخ لبنان الحديث، ومحطة مفصلية لم يقتصر أثرها على منح الجنسية لعشرات الآلاف، بل امتد إلى صناعة جنسية غير مستقرة، بقيت لسنوات طويلة عرضة للطعن والمراجعة والإبطال الجزئي أو السحب، ومرتبطة بقرارات سياسية وقضائية وإدارية متعاقبة.

هذه ليست قصة مرسوم فحسب، بل قصة دولة تدير الهوية على طريقة الملفات: مرسوم واسع، طعن أمام مجلس شورى الدولة، قرار قضائي يحيل التدقيق إلى وزارة الداخلية، لجان تتعثر، ثم مراسيم سحب جنسية، ثم طعون جديدة. وفي العمق يبقى السؤال نفسه يتجدد: كيف تبقى المواطنة في لبنان معلقة بين السياسة والإدارة والقضاء؟ وكيف تتحول الجنسية أحيانًا إلى رافعة نفوذ وسلاح ديموغرافي؟

وهذه الإشكالية تتعدى الحدود اللبنانية. فمن الممكن النظر إليها باعتبارها نموذجًا لاستخدام الهوية في تعديل الديموغرافيا وبناء موازين قوى جديدة. وما تشهده سوريا المجاورة اليوم يلتقي مع هذه الحالة، إذ برزت توجهات حديثة تتحدث عن إسقاط وسحب الجنسية السورية من كثيرين ممن منحهم إياها نظام الأسد، ولا سيما أولئك الذين استُجلبوا للقتال إلى جانبه، في خطوة تهدف إلى إبطال مفاعيل التغيير الديموغرافي القسري والعبث بالتوازنات الذي تعمد النظام السوري إحداثه وتكريسه طوال السنوات الماضية.


خلفية 1994: ما بعد الحرب والقرار تحت سقف السياسة

صدر مرسوم 1994 في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، حين كانت الدولة تعاد صياغة تركيبتها السياسية والإدارية، وسط نفوذ سوري واسع على الحياة السياسية اللبنانية. في تلك المرحلة، كان وزير الداخلية بشارة مرهج في موقع القرار الإداري المباشر في ملفات الأحوال الشخصية، وارتبط اسمه بالمرسوم بوصفه وزير الداخلية الموقّع عليه.

وفي ذلك السياق، دفع النظام السوري باتجاه إقرار المرسوم لأهداف استراتيجية تتجاوز البعد الإداري المباشر. فمن جهة، استُثمر المرسوم في هندسة المشهد السياسي والانتخابي عبر خلق كتل ناخبة جديدة تدين بالولاء لمن منحها الجنسية، بما أسهم في ترجيح كفة القوى اللبنانية الحليفة لدمشق في البرلمان. ومن جهة أخرى، برزت اتهامات وهواجس من أن المرسوم أدخل فئات تُقرأ سياسيًا وأمنيًا كاحتياط ديموغرافي قد يصب، مستقبلًا وبشكل «طبيعي»، في تحالف أقليات موضوعي مع النظام في سوريا. وأضيف إلى ذلك ما اعتبره البعض رغبة في تذويب النزعة الاستقلالية اللبنانية التي كانت تعارض الهيمنة السورية، عبر إرساء تداخل ديموغرافي واجتماعي يجعل فك الارتباط بين البلدين أكثر صعوبة.

ولأن الجنسية في لبنان ليست إجراء إداريًا محايدًا فحسب، بل قوة سياسية وانتخابية واجتماعية وطائفية، سرعان ما أصبح المرسوم مادة نزاع بين من رآه خطوة لرفع ظلم تاريخي عن فئات عاشت مواطنة فعلية بلا جنسية، ومن عدّه عملية تغيير اجتماعي وديموغرافي خطيرة تخدم حسابات خارجية.


ماذا شمل المرسوم؟ أربع فئات وأكثر من ثمانين دولة

رغم أن الشفافية التي رافقت صدور المرسوم بقيت موضع انتقاد واسع، فإن ما استقر لاحقًا في أدبيات الملف يشير إلى أن المرسوم نُشر رسميًا متضمنًا نحو 88 ألف اسم. غير أن كثيرًا من هذه الأسماء يعود إلى رجال وأرباب أسر نالت عائلاتهم الجنسية بالتبعية، لذلك قُدّر العدد الفعلي للمشمولين بأكثر من 200 ألف شخص، موزعين على أكثر من 50 ألف ملف. وتوزع هؤلاء على أربع فئات أساسية:

مكتومو القيد، ومن أبرزهم عشائر وادي خالد والحدود الشمالية والشرقية، وهم عرب رحّل استقروا في لبنان لعقود من دون أوراق رسمية.

حاملو بطاقات «قيد الدرس»، وشملت شريحة واسعة من أكراد لبنان المقيمين في بيروت، كمنطقة الكرنتينا ووادي أبو جميل لاحقًا، إضافة إلى فلسطينيين.

سكان أو أهالي القرى السبع التي اقتطعها الانتداب وضمها إلى إسرائيل، والذين شكلوا جزءًا من مناطق تاريخية لبنانية بقيت قضية جنسيتها موضع إشكال.

أجانب يحملون جنسيات من أكثر من 80 دولة.

ووفق الرواية الرسمية التي تداولتها الدولة في دفاعها الأولي، كان الهدف تثبيت مواطنة فعلية لفئات تشكلت بينها وبين الدولة رابطة واقعية على مدى عقود. لكن الأجواء السياسية اللاحقة ترافقت مع اتهامات بوجود خلفيات سياسية وانتخابية، من رشاوى ومحسوبيات وتفعيل علاقات زبائنية بهدف إنتاج كتل انتخابية جديدة. وتكمن الخطورة، بحسب المعترضين، في الهندسة الانتخابية وتوزيع النفوس، إذ اتُهمت السلطة آنذاك بتوزيع أعداد كبيرة من المجنسين على دوائر انتخابية حساسة، مثل زحلة وبيروت والمتن وبعض مناطق الشمال والجنوب، لخلق كتل ناخبة مرجحة قادرة على تغيير الخرائط الانتخابية.


المجنسون تبعًا للطائفة: الموارنة والدروز بين الأقل عددًا

لتوضيح حجم التأثير والخلل الديموغرافي والطائفي الحاد الذي أحدثه المرسوم، تشير الأرقام التفصيلية إلى أن مرسوم التجنيس الرقم 5247 أدى فعليًا إلى منح الجنسية اللبنانية لـ202,527 شخصًا، توزعوا على الطوائف اللبنانية المعترف بها قانونًا، بحسب «الدولية للمعلومات»، فيما تقدر مصادر أخرى العدد بنحو 150 ألفًا.

وعلى الرغم من هذا العدد الكبير، نال الموارنة والدروز الحصة الأدنى مقارنة بأعدادهم، في حين كان العدد الأكبر من حصة المسلمين السنّة، الذين مثلوا نسبة 58.5 في المئة من إجمالي المجنسين. وقد توزعت الأرقام على الشكل الآتي:

مجموع المسلمين المجنسين: 159,011 شخصًا.

السنّة: 118,295.

الشيعة: 28,425.

العلويون: 7,954.

الدروز: 4,337.

مجموع المسيحيين المجنسين: 43,516 شخصًا.

الروم الأرثوذكس: 10,736.

الأرمن الأرثوذكس: 9,977.

الروم الكاثوليك: 6,617.

السريان الأرثوذكس: 5,568.

الموارنة: 2,725.

الأرمن الكاثوليك: 2,526.

السريان الكاثوليك: 1,313.

مختلف الطوائف: 1,243.

الكلدان: 1,141.

اللاتين: 1,135.

البروتستانت: 535.

تظهر هذه الأرقام بوضوح كيف بلغت نسبة المسلمين قرابة 78 في المئة، فيما قاربت نسبة المسيحيين 21 في المئة، ما أثار جدلًا ديموغرافيًا واسعًا. وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد المجنسين الفعلي، بفعل التكرار الطبيعي، بلغ بين 300 ألف و350 ألف نسمة. وتجدر الإشارة إلى أن وزارة الداخلية، في عهد الوزير ميشال المر، أعدت ملحقًا للمرسوم بهدف معالجة هذا الخلل الديموغرافي على حساب الطوائف المسيحية، إلا أن هذا الملحق لم يبصر النور ولم يصدر قط.


الطعن: من المراجعة القضائية إلى تعليق عملي للحقوق

حتى في الحالات التي يُعد أصحابها مستحقين للجنسية أصالة بالولادة، مثل بعض مكتومي القيد الذين ولدوا وتربوا في لبنان، قاد التجنيس الجماعي إلى واقع قانوني واجتماعي خاص. فالمجنس لا يقف دائمًا على قدم المساواة مع من تُعد جنسيته أصلية بالولادة، لأن القانون اللبناني يحصر بعض الحقوق بالمواطن الأصيل، أو يعلّق بعضها على مرور مدة زمنية معينة على اكتساب الجنسية. وتزداد المسألة حساسية لأن مفعول مرسوم التجنيس إنشائي لا إعلاني، أي إن المجنس يُعد لبنانيًا ابتداء من تاريخ القرار لا منذ الولادة، ما يؤثر على حقوق تتطلب مدة حيازة للجنسية، كالوظيفة العامة وبعض شروط النقابات.

تفاوتت الآراء حول مرسوم 1994 منذ البداية. ففريق اعتبره خطوة ضرورية لرفع ظلم تاريخي عن مقيمين حُرموا من حقوق المواطنة، وفريق آخر رآه تغييرًا ديموغرافيًا واجتماعيًا خطيرًا. ومن أبرز المعترضين الرابطة المارونية، التي سارعت إلى تقديم طعن أمام مجلس شورى الدولة عام 1994 طالبة إبطال المرسوم لعدم قانونيته.

وخلال فترة المراجعة الممتدة بين 1994 و2003، ورغم رفض وقف التنفيذ، تحولت جنسية كثير من المشمولين إلى جنسية مطعون بها عمليًا لدى الناس والإدارات، ما انعكس حرمانًا أو تأخيرًا في حقوق ومعاملات عديدة. ومن أبرز آثار ذلك ما قيل عن تعثر معاملات تصحيح القيود وتسجيل عقود الزواج والولادات السابقة لصدور المرسوم، بذريعة انتظار بت النزاع، إذ اعتمدت محكمة التمييز المدنية استئخار البت بهذه الطلبات إلى حين البت في المراجعة.

وفي كواليس هذه المراجعة، وبعد أن رفضت الدولة في البداية تسليم ملفات المجنسين، كلّف مجلس شورى الدولة لجنة قضائية بالانتقال إلى وزارة الداخلية للتحقيق شخصيًا في عينة من الملفات. وخلصت اللجنة إلى وجود أخطاء عديدة ونواقص ومستندات متفاوتة في قوتها الثبوتية. واللافت أن الدولة اعتمدت بداية موقفًا دفاعيًا، فاعتبرت التجنيس من أعمال الحكومة السيادية الخارجة عن رقابة القضاء، وأنكرت عدم اتباع الأصول. لكنها تراجعت لاحقًا عن هذا الموقف، بعد تشكيل لجنة إدارية لمراجعة الملفات، واعترفت بوجود مخالفات، بينها حالات تزوير وتجنيس فلسطينيين، متبرئة من أي مسؤولية وملقية اللوم الكامل على المجنسين بحجة ارتباطهم معها بعلاقة خداع وغش تشكل «انتحالًا للجنسية».


لماذا طُعن بالمرسوم؟

من أبرز الأسباب التي سُجلت في النقاش القضائي والعام مخالفة الأصول الدستورية والتشريعية. فقد اعتبر معارضو المرسوم أنه منح الجنسية بشكل جماعي، En bloc، لمئات الآلاف من دون العرض على مجلس الوزراء، خلافًا للمادتين 6 و65 من الدستور، وهو أمر كان يستوجب، في رأيهم، استصدار قانون عن مجلس النواب لا الاكتفاء بمرسوم إداري. كما تبيّن أن صدور المرسوم جاء استباقًا لتقرير لجنة وزارية كانت قد شُكلت آنذاك لإعداد مشروع قانون وعرضه على البرلمان لحل مشكلة المقيمين طالبي الجنسية.

ومن الأسباب أيضًا مخالفة مبدأ المساواة والقول إن المرسوم أحدث خللًا جسيمًا في التوازنات الداخلية، فضلًا عن مخالفته للمصلحة العامة واعتباره تمهيدًا للتوطين المرفوض دستوريًا، بحسب ادعاءات ومرافعات المعترضين. وهنا تبرز المخالفة الصريحة لمقدمة الدستور اللبناني التي تنص بوضوح على أنه «لا فرز ولا تقسيم ولا توطين». وما زاد الطين بلة ما كشفه لاحقًا التقرير الموجز الذي قدمه وزير الداخلية آنذاك أحمد فتفت إلى لجنة الحوار الوطني بتاريخ 13 آذار 2006، والذي أظهر منح الجنسية لـ71,747 فلسطينيًا تحت ستار فئات أخرى، توزعوا كالآتي: مكتومو القيد 14,112، جنسيات قيد الدرس 32,564، والقرى السبع 25,071، علمًا أن أسماء هؤلاء مسجلة في مديرية شؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

كما استند الطعن إلى غياب التعليل وعدم شرح الوقائع التي بُني عليها القرار، وإلى شمول عشرات الآلاف من دون دراسة فردية للملفات أو التحقق من توافر شروط التجنيس لدى كل منهم وفقًا للأصول القانونية.


2003: قرار قضائي يفتح مرحلة جديدة بدل أن يقفل الملف

مع استمرار المماطلة القضائية وبقاء مراجعة الطعن من دون حسم لسنوات، برز تحرك نيابي ضاغط أواخر حزيران 2002، حين وجّه النواب نعمة الله أبي نصر وصلاح حنين وغبريال المر سؤالًا إلى الحكومة حذروا فيه من أن الملف «بدأ يدخل طريقه نحو التسييس»، ومن وجود «تدخل سافر في شؤون القضاء» بعد مرور ثماني سنوات على الطعن. وطالب النواب بضرورة الرجوع عن الخطأ، وسحب الجنسية ممن لا يستحقها ومنحها لمستحقيها.

إثر هذه الضغوط وغيرها، وبعد نحو تسع سنوات من تقديم المراجعة، صدر قرار مجلس شورى الدولة الشهير في 7 أيار 2003، المشار إليه غالبًا بالرقم 2003-484/2002. وكان من أبرز ما كرسه بالإجماع الاعتراف بصفة ومصلحة الجهة الطاعنة، بالنظر إلى نتائج محتملة على التوازنات الداخلية والوفاق الوطني، مكرسًا بذلك، وبشكل غير مباشر، الرابط بين آلية التجنيس والتوازنات الطائفية، وكأن التجنيس لا يُمنح للأفراد مستوفي الشروط فحسب، بل يُقرأ أيضًا وفقًا لمصالح الطوائف.

ورد المجلس دفع الدولة بأن التجنيس من أعمال الحكومة السيادية الخارجة عن رقابة القضاء، وثبّت خضوعه للرقابة. كما أثبت وجود أخطاء عديدة شابت المرسوم، لكنه، بدل إبطاله كليًا أو جزئيًا، أحال القضية إلى وزارة الداخلية، مخولًا إياها إعادة النظر في الحالات التي يظهر فيها أن الجنسية مُنحت من دون وجه حق، أو بالغش، أو بالتزوير، أو خلافًا للقانون والدستور.

هنا تحديدًا تكرست الهشاشة. فالقرار، بدل أن ينهي النزاع بقضاء واضح، نقل الثقل إلى الإدارة. وقد برر المجلس موقفه بوجود «استحالة مادية مطلقة» للتدقيق في هذا العدد الهائل من الملفات، بما يتعارض مع تأمين حسن سير العدالة. لكنه في المقابل لم يعط الإدارة أي توجيهات محددة أو مهلًا زمنية واضحة تتقيد بها، ما أبقى المجنسين في حالة ارتهان طويلة، وجعل تثبيت الجنسية مرتبطًا بإدارة متبدلة وقرارات سياسية وبطء إداري، وأدى الحكم القضائي عمليًا إلى نتائج معاكسة لمبررات الاستقرار القانوني التي استند إليها.


الإدارة تتأخر وتعطل نفسها ثم مراسيم سحب محدودة

بعد القرار القضائي، بدأت مرحلة يمكن تسميتها مرحلة إعادة النظر الإدارية في ملفات المجنسين، من عام 2003 حتى اليوم. وهي مرحلة شهدت «بينغ بونغ» إداريًا يعكس غياب الإرادة السياسية للحسم.

ففي 7 آب 2003، أصدر وزير الداخلية آنذاك إلياس المر قرارًا بتشكيل لجنة عليا لإعادة دراسة الملفات. وفي تشرين الثاني من العام نفسه، تلقت اللجنة مذكرات تفصيلية بأسماء أشخاص نالوا الجنسية وهم يقضون عقوبات في السجون لارتكابهم جرائم، إضافة إلى مئات الفلسطينيين. وبالفعل، واستنادًا إلى تقرير هذه اللجنة، أعد الوزير المر في 12 تموز 2004 مشروع مرسوم كدفعة أولى لسحب الجنسية من 1940 شخصًا. غير أن رئاسة مجلس الوزراء أعادت المشروع من دون توقيع، طالبة من كل وزير معني التأكد من الأسماء. ثم، في 22 كانون الأول 2005، أعاد وزير الداخلية سليمان فرنجية رفع المشروع بعد تنقيحه وإضافة الأسباب المطلوبة، لتعيده الأمانة العامة لرئاسة مجلس الوزراء مجددًا من دون توقيع.

هذا التجميد دفع نوابًا، كما حكومات لاحقة، إلى التنبيه مرارًا إلى خطورة إبقاء الملف معلقًا. وتوالت التحذيرات من استخدام الثغرات الإدارية، مثل تعاميم رخص البناء بمساحة 150 مترًا، كغطاء مبطن لتوطين أو تجنيس فئات أخرى، كالسوريين والفلسطينيين. ورغم تعهد البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة، ومنها حكومة الوفاق الوطني وحكومة الرئيس ميقاتي، تنفيذ قرار مجلس شورى الدولة، بقي التنفيذ الفعلي معلقًا ومجتزأ.

وفي 28 تشرين الأول 2011 فقط، صدرت مراسيم سحب جنسية محدودة، حملت الأرقام 6690 و6691، وطاولت قرابة 200 ملف تقريبًا، توزعت على فئات منها: مكتومو قيد تبيّن أن لديهم أصولًا غير لبنانية، فلسطينيون مسجلون في سجلات مديرية شؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، حالات بيانات شخصية غير صحيحة، وحالة مرتبطة بحكم جزائي لدى تقديم طلب التجنيس. وبطبيعة الحال، فتحت مراسيم السحب المحدودة هذه باب مراجعات جديدة أمام مجلس شورى الدولة.


القضاء والإدارة: نحو تكريس هشاشة الجنسية

في مراجعات السحب، برز اتجاه قضائي واسع يعطي الإدارة حق سحب الجنسية في أي وقت، عند ثبوت منحها خلافًا للقانون أو بالغش والتزوير، بحجة أن القانون لم يحدد مهلة زمنية، خلافًا لما هو معمول به في دول أخرى، واستنادًا إلى القاعدة المعروفة بأن أعمال الغش تفسد كل شيء.

في المقابل، سُجلت آراء مخالفة لافتة اتجهت نحو ضمان حقوق المجنسين وحماية الاستقرار القانوني. وهنا يبرز الرأي المخالف للقاضي المستشار طارق المجذوب، الذي اعتبر أن القانون اللبناني لم ينص على الغش والتزوير كسبب لسحب الجنسية، وأن سكوت القانون عن المهلة الزمنية لا يفتح الباب أمام السحب العشوائي، سندًا إلى مبدأ حماية الثقة المشروعة. كما أشار إلى أن الإدارة علمت بالمخالفات لسنوات وتقاعست عن المعالجة، رافضًا أن يمتد سحب الجنسية، بوصفه عقابًا شخصيًا، إلى أفراد الأسرة الذين اكتسبوها بالتبعية، عملًا بقاعدة فردية العقوبة.

وفي المقابل أيضًا، سُجل لمجلس شورى الدولة، في بعض المسارات، مواقف اعتُبرت ريادية في الحد من انعدام الجنسية. فقد أعلن لأول مرة أن التجنيس من الحلول الضرورية، وتعامل مع مفاهيم مثل «مكتوم القيد» بطريقة مطابقة للتعريف الدولي لعديم الجنسية، مستعينًا بدراسة جمعية «رواد فرونتيرز» لعام 2011. واعتبر المجلس أن استخدام هذا المصطلح في الطلب لا يشكل تزويرًا حتى لو كان الشخص من أصول أخرى، كما تجاوز شرط حيازة جواز إقامة رسمي، مكتفيًا بالإقامة الفعلية لعديمي الجنسية، وصولًا إلى تكريس مشروعية قرار التجنيس كآلية لاستيعاب هذه الفئات بمقتضى التقادم المكسب، تماشيًا مع التزامات لبنان الدولية.


عقدة 1994: أثر يطارد المراسيم اللاحقة

لا يمكن إنهاء الحديث عن مرسوم 1994 من دون الإشارة إلى أنه خلق عقدة أو فوبيا لبنانية تجاه أي إجراء يتعلق بمنح الجنسية. لقد جرّد هذا المرسوم عملية التجنيس من طابعها السيادي والقانوني، الذي يُفترض أن يكون مبنيًا على معايير شفافة وخدمات جُلّى تقدم للدولة، وحوّلها في الوجدان العام إلى مرادف للصفقات والخلل الديموغرافي والمحسوبيات.

وقد أفرزت هذه العقدة عرفًا إداريًا يتسم بالسرية، إذ باتت مراسيم التجنيس تُمرر غالبًا في ربع الساعة الأخير من الولايات الرئاسية، بعيدًا من الأضواء ومن دون نشرها في الجريدة الرسمية، تجنبًا للرقابة والضجة. ومن أبرز الأمثلة المراسيم التي صدرت في عهد الرئيس ميشال سليمان. فإلى جانب مرسومين صدرا في آذار 2013، شملا 110 أشخاص، بالإضافة إلى مرسوم رد الجنسية، حرر الرئيس سليمان عشية انتهاء ولايته، في 19 أيار 2014، مرسومًا مثيرًا للجدل منح بموجبه الجنسية لـ644 شخصًا.

هذا المرسوم، الذي وُصف سياسيًا وإعلاميًا بأنه مُرر «في الليل» وبلا أي ضجيج، شمل معارضين سوريين ورجال أعمال عربًا وفلسطينيين مسجلين، إلى جانب عدد محدود من المستحقين الفعليين من مكتومي القيد. وبسبب الذاكرة اللبنانية المثقلة بتجاوزات 1994، لم يمر المرسوم مرور الكرام، بل واجه سلسلة احتجاجات من حملات مدنية، مثل حملة «جنسيتي حق لي ولأسرتي»، إضافة إلى دعاوى طعن أمام مجلس شورى الدولة، وسط تساؤلات مشروعة عن غياب الآلية الشفافة، وانعدام المعايير، والوساطات التي أدت إلى إدراج أسماء وتهميش أخرى أكثر استحقاقًا.

وتكررت العاصفة مع مرسوم التجنيس الرقم 294 الذي وقعه الرئيس ميشال عون عام 2018. فعلى الرغم من أن العدد كان محدودًا، أي حوالى 400 شخص، فإن تضمنه أسماء لرجال أعمال ومتمولين سوريين وفلسطينيين حامت حول بعضهم علامات استفهام، أشعل عاصفة سياسية وشعبية فورية من الرفض والطعون. وقد بلغت حدة الضغط الشعبي والسياسي، المستندة بطبيعة الحال إلى ارتدادات 1994، درجة إجبار رئاسة الجمهورية على الطلب من المديرية العامة للأمن العام إعادة التدقيق في الأسماء بعد صدور المرسوم.

هكذا يتضح أن مرسوم 1994 لم يكن مجرد حدث تاريخي عابر، بل أسس لحالة من انعدام الثقة المستدام بين المواطن والدولة في كل ما يخص الهوية. وبات كل مرسوم تجنيس، مهما كان حجمه، يُحاكم مسبقًا في محكمة الرأي العام اللبناني بناء على سوابق التوظيف السياسي والزبائنية التي كرسها ذلك المرسوم التأسيسي.


خريطة طريق: كيف يُقفل الملف؟

إقفال الملف عبر قرار حاسم بالإبطال الشامل. لا يُعقل أن يبقى جرح كياني وديموغرافي بهذا الحجم نازفًا لعقود تحت وطأة المماطلة الإدارية. إن مرسومًا صدر استباقًا لعمل المؤسسات التشريعية، وتجاهل الأصول، وأحدث خللًا بنيويًا، يستوجب قرارًا سياديًا جريئًا بإبطاله مفاعيلًا. المطلوب جدول زمني صارم لعملية سحب جماعية ممن منحوا الجنسية من دون حق، وتصحيح سجلات النفوس بشكل نهائي.

البدء الفوري بإسقاط الجنسية استنادًا إلى اللاءات الدستورية. بما أن مقدمة الدستور اللبناني تنص صراحة على أنه «لا فرز ولا تقسيم ولا توطين»، فإن هذا المبدأ الدستوري الأسمى يُبطل أي نص أدنى منه. وعليه، يجب أن تكون الخطوة التأسيسية الأولى والتشريعية هي إسقاط الجنسية عن عشرات الآلاف من المجنسين الذين مُنحوها بما يتناقض تحت ثلاث لاءات كبرى: قيد الدرس، والقرى السبع، ومن سحب الجنسية. إن سحب الجنسية عن هؤلاء ليس مجرد إجراء إداري، بل تطبيق مباشر وحتمي للدستور حماية للكيان من التوطين المقنع وشكلًا من أشكال الإدراك الوطني والطبيعي لسبب من أسباب المرسوم وخلله.

إعلان بطلان أساس السحب المفاعل. بدل الغرق في لجان وتدقيقات فردية لا تنتهي وتستغرق عقودًا إضافية، يجب على الدولة الانطلاق من القاعدة القانونية الآتية: ما بُني على باطل فهو باطل. لقد أثبتت مراجعات مجلس شورى الدولة واللجان اللاحقة حجم الغش والمحسوبيات والمخالفات، ما يجعل المرسوم برمته فاقدًا للمشروعية ويبرر سحب مفاعيله.

آلية قانونية صارمة للتنفيذ من دون خضوع للضغوط. يجب إقرار آلية تنفيذية سريعة تشطب الجنسيات المشبوهة وتبلغ المعنيين بقرارات معللة، تستند إلى البطلان الأصلي للمرسوم. وفي حال وجود حالات فردية نادرة تستحق الجنسية اللبنانية أصالة، فمسارها يكون عبر مراجعة أوضاعها ضمن مسارات قانونية منفصلة لا تمت بصلة إلى هذا المرسوم، كي لا يُتخذ المستحقون ذريعة لتحصين عشرات الآلاف من غير المستحقين.

التفعيل الفوري لقانون السنوات الخمس بسبب غياب الإقامة. بانتظار الإبطال الشامل، يجب على الدولة تذكير الرأي العام وتفعيل المادة القانونية اللبنانية التي تُسقط الجنسية حكمًا عن كل مجنس غاب عن لبنان لخمس سنوات متتالية، إلى جانب الانتماء إلى جمعيات تنضم إلى دولة أجنبية. وهذا البند وحده، إن طُبق اليوم بحزم، كفيل ببدء عملية تطهير السجلات وسحب الجنسية فورًا عن عشرات الآلاف ممن نالوها غيابيًا ولا يربطهم بلبنان سوى ورقة استُخدمت لأغراض سياسية.

تحصين الهوية وتعديل قانون الجنسية. إبطال مرسوم 1994 لا يجب أن يكون نهاية المطاف، بل يجب أن يترافق مع إصلاح تشريعي جذري يمنع تكرار هذه المجزرة الديموغرافية. المطلوب إقرار نصوص قانونية تمنع قطعيًا التجنيس الجماعي، وتقيّد صلاحيات منح الجنسية بضوابط سيادية صارمة تحمي التركيبة اللبنانية وتمنع أي محاولة مستقبلية لفرض مسارات مماثلة.



 خط زمني

20 حزيران 1994: صدور المرسوم 5247/1994.

1994: طعن الرابطة المارونية أمام مجلس شورى الدولة.

2002: تحرك نيابي، شارك فيه نعمة الله أبي نصر وصلاح حنين وغبريال المر، يحذر من المماطلة وتسييس الملف.

1994 إلى 2003: مرحلة المراجعة القضائية وتكليف لجان التفتيش.

7 أيار 2003: قرار مجلس شورى الدولة يحيل التدقيق إلى وزارة الداخلية.

2004 إلى 2005: وزارة الداخلية تُعد مراسيم لسحب الجنسية من 1940 شخصًا، ورئاسة مجلس الوزراء تعرقل توقيعها وتعيدها.

2003 حتى اليوم: مرحلة إعادة النظر الإدارية، بين تدقيق متقطع وبطيء.

28 تشرين الأول 2011: مراسيم سحب جنسية عن قرابة 200 ملف فقط، وفتح طعون جديدة.