في لحظات التحولات الكبرى، لا يعود الخوف مجرد شعور عابر، بل يتحول إلى حالة سياسية كاملة تتسلّل إلى داخل النخب، وتعيد تشكيل حساباتها، وتفرض على اللاعبين الكبار مراجعة ما كان يُعتبر ثابتاً. هكذا يبدو لبنان اليوم: بلدٌ يقف على حافة مرحلة جديدة لا تشبه ما سبقها، ولا يمكن التنبؤ بما ستنتهي إليه.
لم تكن المنظومة السياسية التي ولدت من رحم اتفاق الطائف مجرد تسوية دستورية، بل شبكة توازنات دقيقة قامت على تقاطع رغبات إقليمية متعارضة. وعلى مدى عقود، أثبتت هذه المنظومة قدرة عالية على امتصاص الصدمات الكبرى؛ فاحتوت التحولات السورية-السعودية، وتجاوزت الارتدادات العنيفة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، وصولاً إلى صمودها في وجه الزلازل المزدوجة التي عصفت بلبنان، من انفجار مرفأ بيروت إلى الانهيار المالي غير المسبوق.
تتغذى هذه المنظومة من 'دولة عميقة' تشكّل شبكة مصالح معقدة تتعاون فيما بينها، يديرها موظفون وقضاة وضباط ومسؤولون ماليون وأمنيون، يدينون بالولاء المطلق لزعاماتهم ومصالحهم. على حساب الوطن والمواطن. يتغلغل هذا الأخطبوط في مفاصل الإدارة مستنزفاً مصالح المواطنين عبر الزبائنية السياسية؛ لذا تتغير الحكومات وتتبدل الوجوه، ويظل النفوذ ثابتاً. لقد صُممت هذه الدولة العميقة لتحمي نفسها وتضمن بقاءها ، مهما بلغت حدة الخلافات السياسية بين أركانها.
لكن ما كان يُدار سابقاً بمنطق “احتواء الأزمة” يبدو اليوم أقل قدرة على الصمود أمام منطق “تغيير قواعد اللعبة”. فالحرب الدائرة في الشرق، والتي انخرط فيها حزب الله بشكل مباشر، لم تعد حدثاً خارجياً يمكن عزله عن الداخل اللبناني، بل تحولت إلى عامل ضاغط يعيد خلط الأوراق من جذورها، ويضع جميع القوى أمام أسئلة تتجاوز الحسابات التقليدية.
في قلب هذا المشهد، تبدو أركان أساسية في النظام السياسي وكأنها تعيش حالة ترقّب ثقيل، أقرب إلى القلق الوجودي منه إلى الحسابات السياسية اليومية. فالرئيس نبيه بري، الذي شكّل طوال عقود أحد أعمدة التوازن داخل بنية نظام الطائف، يواجه اليوم، على مشارف التسعين من عمره، هاجساً متصاعداً يتمثل في حجم الكلفة البشرية والمادية التي يتحملها المكوّن الشيعي، بشكل أساسي، بعد توسّع الصراع الإقليمي وتحول لبنان إلى ساحة مكشوفة للمواجهة الإيرانية – الإسرائيلية – الأميركية. وهذا القلق لا يرتبط فقط بالسياسة، بل أيضاً بمستقبل مكوّن اجتماعي وحضاري أساسي، في لحظة تاريخية شديدة الخطورة.
في المقابل، يقف وليد جنبلاط أمام هواجس مختلفة في الشكل، لكنها لا تقل عمقاً في المضمون. يقول جنبلاط، في التقرير الذي نشرته صحيفة “ليبيراسيون” الفرنسية تحت عنوان: “بورتريه وليد جنبلاط، الرمز الدرزي في لبنان: رافعاً صوته”، بقلم هالة قضماني: “في عهد نصر الله، كان بإمكاني الاتصال به والنقاش معه، ولكن منذ اغتياله على يد إسرائيل عام 2024، لم يعد هناك محاور. القيادة الجديدة واقعة بالكامل تحت النفوذ الإيراني”. ويضيف: “أما بالنسبة إلى المعسكر المقابل، أولئك الذين كان والدي يسميهم الانعزاليين، فاللبنانيون المناهضون لحزب الله معاندون ومتمسكون بمواقفهم تماماً. الزعيم المسيحي سمير جعجع يظن نفسه موسى. الجميع عالقون في دوامة العنف ويتبادلون الشتائم، فيما لم يعد يُسمع أي صوت عقلاني”.
فالرجل الذي ورث زعامة تمتد في التاريخ اللبناني لأكثر من مئتي عام، واعتاد قراءة التحولات الإقليمية مبكراً، ينظر إلى التبدلات الجارية في المنطقة بوصفها مقدمة لإعادة تشكيل الهوية السياسية للطائفة الدرزية. وهي هوية تكرّست تاريخياً بعد أفول الزعامات المعنية والتنوخية في الحقبة العثمانية، وصعود آل جنبلاط إلى موقع الزعامة التقليدية للموحدين الدروز لأكثر من قرنين. إلا أن صعود الشيخ حكمت الهجري اليوم، في ظل الدعم الإسرائيلي والضباب السياسي المهيمن على المنطقة، يثير مخاوف لدى جنبلاط من محاولة إعادة إنتاج هوية سياسية جديدة، مختلفة عن الإرث التاريخي والسياسي الذي حكم العلاقة بين الدروز وبيئتهم العربية طوال العقود الماضية.
بين هذين القلقين، يتكشف مشهد أوسع من مجرد تنافس سياسي داخلي. إنه مشهد نظام كامل يشعر بأن قواعد الاستقرار التي حكمت المرحلة السابقة بدأت تتآكل، وأن “الضمانات” التي كانت تضبط التوازنات لم تعد مضمونة كما كانت.
المعضلة اليوم أن العاصفة ليست تقليدية، بل هوجاء وقاسية، خصوصاً أنها تأتي في زمن رمادي كثيف بالغبار والضباب، حيث تختلط الحروب بالتحولات الدولية، وتتداخل الهويات بالمصالح، وتصبح الحدود بين الداخل والخارج أكثر هشاشة من أي وقت مضى. وعندما تصل الأزمات إلى هذه المرحلة، لا يعود الخطر الحقيقي في التغيير نفسه، بل في فقدان القدرة على التحكم باتجاه هذا التغيير.
لبنان، في هذه اللحظة، لا يبدو بلداً يواجه أزمة عابرة، بل بلداً يقف أمام احتمال إعادة تعريف نفسه من جديد. وبين الخوف من الانهيار والخوف من التغيير، يقف اللاعبون الكبار، في خريف أعمارهم السياسية، أمام سؤال قاسٍ ومقلق في آن واحد: هل يمكن للعاصفة أن تمرّ من دون أن تقتلع الجذور التي قامت عليها اللعبة كلها منذ زمن بعيد؟