رمال جوني

صناعة دُمّرت وصانع لم يستسلم: حسين عيد يجوب قرى النزوح

دقيقتان للقراءة

من بلدة معركة نحو قرى النزوح، حمل حسين عيد الأحذية التي كان يصنعها في معمله هناك، لتتحوّل إلى وسيلته الوحيدة للصمود الاقتصادي في زمن الحرب والمأساة.

قبل الحرب، كانت معركة تعجّ بمعامل الأحذية، صناعة عريقة كانت تعاني أصلًا أزمة بقاء، لتأتي الحرب وتقضي عليها نهائيًا. معامل دُمّرت بالكامل، وأخرى تضرّرت بفعل الغارات، فانطفأت واحدة من أبرز الحِرَف الجنوبية.

لطالما شكّلت صناعة الأحذية في الجنوب ركيزة اقتصادية أساسية، وتمركزت تاريخيًا في بنت جبيل، ولا سيّما في سوقها العتيق، حيث كان يوجد قبل الحرب ما يقارب ثلاثين معملًا تصارع التوقّف القسري، في ظل ارتفاع كلفة المواد الأولية ومنافسة البضائع المستوردة، ولا سيّما الصينية. اليوم، لم يبقَ من تلك المعامل سوى الركام، بعدما دُمّرت بشكل كامل.

بين قرى الزعرورية وجون والشوف، يتنقّل عيد بسيارته، حاملاً ما تبقّى من إنتاج معمله. رفض الاستسلام للنزوح السلبي، ويقول: «الجلوس بلا عمل قاتل، وانتظار المجهول في مركز الإيواء صعب جدًا. لذلك قررت أن أجول بين قرى النزوح، أبيع بضاعتي لأعيش وأوفّر موردًا لعائلتي».

يرسم حسين عيد صورة تحدٍّ لصناعي جنوبي خذلته الحرب، ودمّرت قوته الاقتصادية، وتركته في مواجهة مصير مجهول، إلا أنه يؤكد: «لن أقف مكتوف اليدين. بضاعتي معي، وأتوجّه إلى مراكز النزوح لأبيع الأحذية».

يرفض عيد تحقيق هامش ربح كبير، كما يرفض استغلال الأزمة، ويقول: «أنا نازح مثلهم، أعاني ما يعانونه، وأدرك حجم الوجع. أسعاري شعبية وتراعي كل الظروف. يجب أن نقف إلى جانب بعضنا لنواجه هذه المحنة».

ويؤكد أن الأسعار «مدروسة»، ومراعية لأوضاع النازحين الذين فقدوا كل شيء. لا تفارق الابتسامة وجهه، يحاول من خلالها مداواة واقعه. يضع بضاعته على أرصفة القرى، فيلتف حوله الناس، إذ جعلت أسعاره «الشعبية» منه وجهة ينتظرها كثيرون، ولا سيّما أرباب الأسر.

لا تخلو تنقّلاته من معاناة وصعوبات، يحاول تذليلها وتجاوزها، مرددًا: «لقمة العيش صعبة، لكنها تستحق المحاولة».

تحمل أحذية حسين عيد بصمة الجنوب في صناعتها، وتبعث برسالة أمل صغيرة في زمن قاسٍ. ويرى في تجواله دعوة لكل نازح كي يخلق فرصة عمل بيده، بدل الانتظار طويلًا عند مفترق اليأس.