لم تعد حرائق النفايات المنتشرة على جوانب الطرقات وبين الأراضي الزراعية والمناطق المفتوحة مشهدًا استثنائيًا في عكار، بل تحوّلت إلى ظاهرة شبه يومية تعكس استمرار أزمة النفايات وتعثّر معالجتها بشكل جذري. ففي مختلف المناطق، تتصاعد أعمدة الدخان من مكبّات عشوائية أو أكوام نفايات متراكمة، في مشهد يختصر سنوات من التقاعس وسوء الإدارة لهذا الملف، وغياب الحلول المستدامة.
ومع ارتفاع درجات الحرارة واقتراب فصل الصيف، تتزايد الحرائق وتتّسع رقعتها، ما يضاعف المخاطر البيئية والصحية. فالدخان الناتج عن احتراق النفايات لا يقتصر تأثيره على الروائح الكريهة وتلوّث الهواء، بل يحتوي على مواد سامّة وجزيئات دقيقة قد تتسبّب بأمراض تنفّسية وحالات حساسية ومضاعفات صحية لدى الأطفال وكبار السن ومرضى القلب والرئة. ووفق مصدر طبي، فإن المكبّات العشوائية تشكّل بيئة مناسبة لانتشار الحشرات والقوارض والأمراض المعدية، ما يجعلها تهديدًا مباشرًا للصحة العامة.
وتشير هذه المشاهد المتكررة إلى أن أزمة النفايات لا تزال قائمة رغم الوعود المتكررة بإيجاد حلول مستدامة. فبدلا من اعتماد خطط متكاملة تقوم على الفرز والمعالجة وإعادة التدوير، لا تزال العديد من المناطق تعتمد حلولا موقتة غالبًا ما تنتهي بالحرق أو التكديس العشوائي، ما يفاقم المشكلة بدل معالجتها.
واللافت أن عددًا من البلديات، على الرغم من أنها لا تزال في مطلع عامها الثاني بعد انتخابها، بدأ يواجه أزمة نفايات فعلية ظهرت ملامحها من خلال تزايد المكبّات العشوائية، والتقاعس في جمع النفايات التي عادت لتتراكم في مستوعباتها في بعض البلدات. ويعزو متابعون ذلك إلى محدودية الإمكانات المالية واللوجستية لدى البلديات من جهة، وإلى غياب رؤية واضحة لإدارة هذا الملف من جهة أخرى، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة السلطات المحلية والمركزية على تجنّب عودة الأزمات التي شهدها لبنان خلال السنوات الماضية.
في ظل هذا الواقع، تبدو حرائق النفايات أكثر من مجرد حوادث متفرّقة، إذ تحوّلت إلى مؤشر واضح على استمرار الخلل في إدارة أحد أكثر الملفات التصاقًا بحياة المواطنين اليومية.
وبين الدخان المتصاعد والمخاطر الصحية المتزايدة، يبقى اللبنانيون أمام أزمة مفتوحة تنتظر قرارات جريئة وخططًا عملية تضع حدًا لمشهد النفايات المحترقة الذي بات عنوانًا دائمًا للفشل في إدارة هذا القطاع الحيوي.
وبالانتقال من عكار إلى طرابلس، وفي مشهد شبيه، تستمر الحرائق في بؤر النحاس والإطارات لتشكّل كارثة يومية في سماء المدينة، وعشيّة الأضحى وفي يومه الأول غطّت سحب الدخان الأسود سماء المدينة، وعكّرت صفو الناس في عيدهم، ولم يحرّك أحد ساكنًا.