من بين الأدوار التي أتقنها "حزب الله" على مدى عقود، يبرز الاغتيال كممارسة سياسية وثقافية متكاملة. من اغتيال الزعماء وقادة الفكر، مرورًا باغتيال المجتمع بإخضاعه لمنظومة من الترهيب والأدلجة القسرية لحشره في كبسولة، وصولًا لاغتيال الذاكرة وتزييف التاريخ.
تماماً مثلما يفعل نظام الملالي "الأب" والمرجعية الفكرية والروحية والسياسية، الذي أعاد تقديم القضية الفلسطينية وكأنها ولدت فقط يوم رفع الإمام الخميني شعارها، وتبنى خطاب تعبوي يعمل على محو عقود من النضال الفلسطيني من الذاكرة الجمعية العربية والإسلامية، من ثورة 1936 إلى مسيرة "منظمة التحرير"، وحركة "فتح" خصوصًا، بينما تظهر الوقائع أنه لم يطرح مسألة فلسطين على طاولة التفاوض مع أميركا بتاتًا.
"حزب الله" بما هو ابن بار لـ "الخمينية" يحترف فن التضليل وليّ عنق التاريخ بهدف ترسيخ هذه الأضاليل في المخيال الجمعي لحاضنته أولًا. وإذ يمارس رئيس كتلته النيابية محمد رعد فعل الاغتيال برصاصات من حبر مقاله بالأمس في صحيفة "الأخبار"، بعدما ألف الكتابة لتوجيه الرسائل، وتسطير مذكرات الفرز والتصنيف وتزوير الوقائع، باختزاله فكرة وتاريخ المقاومة ضد إسرائيل في لبنان بحزبه وحده، فإن أهمية ما يقوله ترتبط بعملية موسعة لإعادة هندسة الذاكرة الجمعية وتثبيت هذا الاغتيال في عمقها عبر عناصر موازية شديدة التأثير، مثل الخطب ودروس الوعظ في المساجد والحسينيات، إلى جانب احتفالات التأبين الذي تعد المنصة الأكثر استخداماً وتأثيراً، فضلاً عن المواقف السياسية.
يقول رعد "لولا الدعم شبه الوحيد الذي تلقته المقاومة الإسلامية من إيران، لما تسنى للبنانيين أن يشهدوا هذا التحول السريع في التطورات الميدانية ضد مصلحة العدو الصهيوني" قاصداً التحرير أو الانسحاب الإسرائيلي عام 2000. بهذه الجملة يوجه رصاصات حبره لاغتيال المقاومة الوطنية حيث يمحو من المشهد عشرات التنظيمات ومئات الشهداء وآلاف العمليات التي سبقت صعود "الحزب" أو رافقته، مثل "جمول" والحزب الشيوعي، و"حركة أمل"، والجماعة الإسلامية، وسائر القوى اللبنانية التي خاضت مواجهات جدية مع الاحتلال الإسرائيلي ولا سيما إبان اجتياح عام 82.
حسب النائب رعد، يبدأ العد التنازلي للانسحاب الإسرائيلي من العملية التي نفذها أحمد قصير بتفجير مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور، وكأن عمليات المقاومة التي استنزفت الاحتلال في بيروت والجبل والجنوب لم توجد أصلًا، فيما أحمد قصير نفسه هو موضع نزاع حول هويته التنظيمية مع "الأخ الأكبر" الرئيس نبيه بري و"أمل".
كذلك ينفذ رعد عملية اغتيال للمنطق نفسه بحديثه بازدراء عن الدولة مفهومًا وقيمًا، وتصنيفها في خطابه كأنها خيار متساوي مع خيارات أخرى وليست مرجعية عليا وضمانة لجميع أبنائها. الأسوأ تنديده باندفاعة "أصحاب هذا الخيار بشكل محموم ومتسرّع إلى توسّل وقف الحرب ممن يدعمون العدو، ويؤيّدون مشروعه لإنهاء المقاومة، واستدراج لبنان إلى فخّ الإذعان والاستسلام لشروطه عبر تفاوض مباشر أو غير متوازن"، في موقف يمكن توصيفه بـ "النفاق السياسي" في ظل توسّل حزبه بالمعنى الحرفي للكملة فتح قنوات تفاوضية مباشرة مع أميركا على حساب الدولة، حتى ولو كانت بعضها تحمل هوية إسرائيلية، بموازاة تفاوض نظام الملالي مباشرة و"بلا حجاب" مع الإدارة نفسها التي أعطت الأوامر بقتل الخامنئي "نائب صاحب الزمان".
من ينقب في سطور مضبطة رعد يصعب عليه العثور على كلمة دولة مع تعمده إسقاطها من قاموسه السياسي. لكنه سيقف بالتأكيد على تحريض مباشر ضد السلطة، ليس فقط برجمها وأبلستها، بل كذلك بالإشادة "المفخخة" بـ "الضباط والجنود الأبطال والشجعان البواسل" في الجيش اللبناني، واستخدام مصطلح "انصياع" لتصوير امتثال المؤسسة العسكرية للقرار السياسي الذي يصفه بـ" القاصر"، علمًا أن هذا الامتثال ليس فعل إرادي بل هو ما نص عليه الدستور والقوانين المرعية، وكلامه يحمل رسالة تهديد بالاغتيال موجهة إلى صناع القرار، مظللة بالتلويح المستمر بفكرة انقسام الجيش شبه المستحيلة، أو صيرورته لاعبًا سياسيًا مستقلاً عن السلطة وهذه أضغاث كوابيس.
عمومًا، يمكن اعتبار مقال محمد رعد بمثابة لوحة معتبرة في فن الاغتيال ينبغي وضعها في متحف الدولة لإنعاش الذاكرة كلما أثقلتها الأحداث وانحرفت بفعل فاعل ما.