ريشار حرفوش

22 عاماً من دون مشانق… فهل يطوي لبنان صفحة الإعدام نهائيًا؟

4 دقائق للقراءة

منذ 22 عاماً، شهد لبنان آخر تنفيذ لحكم بالإعدام، حين أُعدم ثلاثة محكومين في سجن رومية عام 2004. ومنذ ذلك التاريخ، ورغم استمرار المحاكم اللبنانية في إصدار أحكام بالإعدام في عدد من الجرائم، بقيت هذه الأحكام حبراً على ورق من دون تنفيذ، لتُخفَّض عملياً إلى عقوبات بديلة تتراوح بين الأشغال الشاقة المؤبدة أو السجن المؤبد أو الأحكام المحددة بسنوات طويلة.

واليوم، وبعد أكثر من عقدين على تجميد تنفيذ العقوبة، عاد ملف إلغاء الإعدام إلى واجهة النقاش التشريعي، مع إقرار اقتراح القانون في لجنتي حقوق الإنسان والإدارة والعدل النيابيتين، تمهيداً لعرضه على الهيئة العامة لمجلس النواب.

وفي هذا السياق، التقت "نداء الوطن" رائدة إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان الدكتورة أوغاريت يونان، التي اعتبرت أن ما يحصل اليوم هو ثمرة مسار نضالي طويل بدأ منذ عام 1997، مؤكدةً أن القضية "لا ترتبط بظرف سياسي أو بعهد معين، بل هي قضية إنسانية مستقلة تستحق أن يُنجزها لبنان بعد كل هذه السنوات".

ورداً على سؤال حول أهمية إقرار القانون في هذه المرحلة، لفتت يونان إلى أن لبنان لم يشهد أي تنفيذ لحكم إعدام منذ عام 2004، معتبرةً أن ذلك يعكس مساراً طويلاً من النضال المدني الذي شارك فيه ناشطون وهيئات وأفراد من مختلف المناطق اللبنانية، مشيرةً إلى أن "لبنان يمتلك إرثاً كبيراً في هذا الملف، ولذلك لا يجوز أن يبقى متأخراً عن الركب العالمي".

وأشارت إلى أن 151 دولة في العالم ألغت عقوبة الإعدام أو جمدت تنفيذها، فيما اتجهت غالبية الدول في مختلف القارات نحو الإلغاء، مضيفةً أن "أوروبا أصبحت شبه خالية من الإعدام، وأكثر من نصف الولايات الأميركية تخلّت عنه، فيما ألغته عشرات الدول الأفريقية ودول من منظمة التعاون الإسلامي".

وتابعت: "لبنان تأخر كثيراً في اتخاذ هذه الخطوة، ولا مبرر لهذا التأخير، فالاتجاه العالمي واضح، ولبنان يجب أن ينضم إلى الدول التي اختارت تكريس الحق في الحياة وإبعاد عقوبة الموت عن قوانينها".

وقالت إن الحملة الوطنية لإلغاء عقوبة الإعدام مرت بمحطات عديدة منذ انطلاقها عام 1997، موضحةً أن العمل لم يقتصر على تقديم مشاريع القوانين، بل شمل حملات ضغط وتوعية وتحركات شعبية وسياسية هدفت إلى تهيئة المجتمع والسلطات لتقبّل فكرة الإلغاء.

أضافت: "في عام 2020 نجحنا في دفع لبنان إلى التصويت للمرة الأولى في الأمم المتحدة لمصلحة قرار التجميد العالمي لعقوبة الإعدام، ثم كرر الموقف نفسه في عامي 2022 و2024، ما يعكس توجهاً رسمياً متدرجاً نحو الإلغاء الكامل".

وفي ما يتعلق بمسار القانون الحالي، أوضحت يونان أنها أعدّت مشروع القانون الذي قُدِّم إلى مجلس النواب في تشرين الأول من العام 2025 ووقّعه سبعة نواب، قبل أن يحظى بتأييد الحكومة ووزارة العدل، ثم يُقر في لجنة حقوق الإنسان ومن بعدها لجنة الإدارة والعدل.

وعن آخر الإعدامات التي شهدها لبنان عام 2004، استذكرت يونان تلك الليلة قائلةً إن ناشطي الحملة أمضوا ساعات طويلة أمام سجن رومية في محاولة لمنع تنفيذ الأحكام، مضيفةً: "بقينا حتى ساعات الفجر نرفع شعار لا تقتل، لكن الإعدامات الثلاثة نُفذت رغم كل المحاولات، وكانت الأخيرة في تاريخ لبنان حتى اليوم".

وأكدت أن "إلغاء العقوبة لا علاقة له بقوانين العفو أو بالظروف السياسية الراهنة"، مشيرةً إلى أن هناك نحو 85 شخصاً محكوماً بالإعدام في السجون اللبنانية، وأن النقاش الحالي يتعلق بمستقبل العقوبة في القانون اللبناني ككل، وليس بملفات فردية أو ظرفية.

وختمت بالتشديد على أن لبنان بات على بعد خطوة واحدة من إلغاء عقوبة الإعدام نهائياً، معتبرةً أن هذه الخطوة تشكل رسالة حضارية وحقوقية تعكس صورة الدولة اللبنانية والتزامها المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وبعد إقرار اقتراح القانون، تبقى الكلمة الفصل للهيئة العامة لمجلس النواب، التي يعود إليها اتخاذ القرار النهائي بإقرار القانون وإحالته إلى النشر، ليصبح نافذاً وساري المفعول.