ميشيلا رزق

بعد 29 عاماً من النضال... هل يطوي لبنان صفحة عقوبة الإعدام؟

6 دقائق للقراءة

المصدر: The Beiruter

من وقف التنفيذ إلى الإلغاء

بعد اثنين وعشرين عاماً على آخر عملية إعدام نُفذت في لبنان، تبدو البلاد أقرب من أي وقت مضى إلى إلغاء عقوبة الإعدام نهائياً من قوانينها. فبعد أن بقيت العقوبة مجمّدة عملياً منذ عام 2004، دخل مشروع قانون إلغائها مرحلته التشريعية الأخيرة، ما يضع لبنان أمام لحظة مفصلية في مسار حقوقي وقانوني امتد لما يقارب ثلاثة عقود.

في الثاني من حزيران 2026، أقرت لجنة الإدارة والعدل النيابية اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام، بعد أشهر من إقراره في لجنة حقوق الإنسان النيابية. ولم يعد يفصل المشروع عن الإقرار النهائي سوى التصويت عليه في الهيئة العامة لمجلس النواب.

بالنسبة للدكتورة أوغاريت يونان، رائدة إلغاء الإعدام في لبنان وأحد أبرز الوجوه التي قادت هذا الملف منذ عام 1997، فإن ما يحدث اليوم ليس لحظةً عابرة، بل ثمرة مسار طويل من المثابرة والعمل مع النواب والقضاة والإعلام والمجتمع المدني والمدارس وأهالي الضحايا والمحكومين.

"إن لبنان بات على بعد خطوة واحدة من إلغاء الإعدام"، وإن الأجواء السياسية الحالية توحي بوجود إرادة فعلية لدفع المشروع نحو الإقرار النهائي.


من وقف التنفيذ إلى الإلغاء

منذ السابع عشر من كانون الثاني 2004، لم ينفّذ لبنان أي حكم إعدام. لكن العقوبة بقيت قائمة في القوانين اللبنانية، ما أبقى البلاد في حالة وسطية بين الإلغاء والتنفيذ.

وترى يونان أن الفرق بين المرحلتين جوهري. فوقف التنفيذ كان قراراً سياسياً يمكن لأي سلطة أن تتراجع عنه، بينما يعني الإلغاء إزالة العقوبة نهائياً من المنظومة القانونية اللبنانية.

وفي حال إقرار القانون، فإن المحكومين بالإعدام حالياً في السجون اللبنانية، والبالغ عددهم نحو 85 شخصاً، ستُطبّق عليهم العقوبة التالية المنصوص عليها في القانون، أي السجن المؤبد.


"لا أقبل أن تكون دولة مشانق"

إن النقاش حول الإعدام غالباً ما يُختزل في الجريمة والعقوبة، فيما هو في جوهره نقاش حول هوية الدولة والمجتمع.

وترى يونان أن إلغاء الإعدام ليس مجرد تعديل قانوني، بل خيار يتعلق بكيفية مواجهة العنف.

"إلغاء الإعدام هو مسار فكر مجتمع ونهج دولة."

وتضيف، "أنا لا أقبل أن تكون دولتي دولة مشانق. فلا يمكن معالجة العنف بعنف آخر، ولا يمكن أن تكون الدولة التي تسعى إلى حماية الحياة هي نفسها من تمنح لنفسها حق إنهائها".

وتشدّد على أن المطالبة بإلغاء الإعدام لا تعني التساهل مع الجريمة أو إعفاء مرتكبيها من المسؤولية.

"أنا ضد الجريمة وضد الإعدام."

فالعدالة لا تُقاس بقدرتها على القتل، بل بقدرتها على المحاسبة والإنصاف ومنع تكرار الجريمة.


"أعطتني الدولة جثة أخرى"

على امتداد سنوات الحملة، التقت يونان بمحكومين بالإعدام، وقضاة أصدروا أحكاماً بالإعدام، وأهالي ضحايا طالبوا بتنفيذ العقوبة.

لكن واحدة من أكثر القصص تأثيراً بالنسبة إليها كانت قصة أب فقد ابنه في جريمة قتل.

كان الرجل من أشد المطالبين بإعدام القاتل. لجأ إلى السياسيين والمرجعيات المختلفة وضغط بكل الوسائل الممكنة حتى نُفذ الحكم بالفعل.

بعد فترة من الإعدام، عاد فريق الحملة لزيارته.

وجدوه جالساً أمام منزله، واضعاً رأسه بين يديه، وقد بدا عليه الانكسار.

يومها قال لهم: "يا ريت سمعت منكم."

"ابني راح... وهداك اللي انعدم راح. شو عطتني الدولة؟ عطتني جثة."

تقول يونان إن هذه اللحظة اختصرت بالنسبة إليها جوهر القضية كلها.

فالإعدام، برأيها، لا يعيد الضحية ولا يزيل الألم ولا يرمم الخسارة. كل ما يفعله هو إضافة موت جديد إلى مأساة قائمة.

ومن بين الشهادات التي ما زالت تستحضرها الحملة الوطنية لإلغاء عقوبة الإعدام رسالة كتبتها آمنة عون عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها. آمنة هي ابنة شوقي عون، الذي قُتل عام 1994، فيما كان قاتله يواجه حكم الإعدام.

في مؤتمر للأطفال الرافضين للإعدام عُقد في بيروت عام 2001، اتخذت الفتاة موقفاً لافتاً. فعلى الرغم من فقدانها والدها، أعلنت رفضها إعدام قاتله، معتبرة أن العقوبة لا تعالج أسباب الجريمة ولا تعيد الضحية إلى الحياة.

وكتبت يومها أن تنفيذ حكم الإعدام لا ينهي المأساة، بل قد يخلق مأساة أخرى لعائلة جديدة، مضيفة أن أبناء المحكوم بالإعدام قد يجدون أنفسهم أيتاماً كما أصبحت هي بعد مقتل والدها.

وبعد أكثر من عقدين على تلك الرسالة، لا تزال كلماتها تُستعاد في النقاش الدائر حول عقوبة الإعدام في لبنان، ليس لأنها صادرة عن ناشطة أو سياسية، بل لأنها جاءت من ابنة ضحية اختبرت الخسارة بنفسها، واختارت رغم ذلك ألا تطالب بالموت عقاباً للموت.


ما بعد الإعدام

طوال سنوات، بدا إلغاء عقوبة الإعدام مطلباً حقوقياً بعيد المنال. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات مهمة، من استمرار وقف التنفيذ منذ عام 2004، إلى تصويت لبنان منذ عام 2020 لصالح قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى وقف تنفيذ الإعدام عالمياً، وصولاً إلى تقدم اقتراح القانون الحالي داخل المجلس النيابي بدعم سياسي ورسمي متزايد.

لكن النقاش لا يتوقف عند إلغاء العقوبة نفسها. فبالنسبة إلى العديد من المدافعين عن الإلغاء، لا ينبغي أن يكون التركيز على الجاني وحده، بل أيضاً على الضحايا وعائلاتهم. ومن هنا تبرز الدعوات إلى تطوير تشريعات وسياسات تضمن حقوق المتضررين من الجرائم، من الدعم النفسي والاجتماعي إلى التعليم والرعاية الصحية والحفاظ على الذاكرة العامة للضحايا.

في نهاية المطاف، لا يقتصر النقاش حول عقوبة الإعدام على مصير المحكومين بها، بل يمتد إلى سؤال أوسع حول كيفية تعامل المجتمعات مع الجريمة وآثارها. فبينما يركز الجدل غالباً على العقوبة التي يجب أن تطال الجاني، يبقى مصير الضحايا وعائلاتهم أقل حضوراً في النقاش العام.

فالخسارة التي تخلّفها الجريمة لا يمكن التراجع عنها، كما أن أي حكم قضائي لا يستطيع إعادة الضحية إلى الحياة. وفي هذا السياق، يطرح مؤيدو الإلغاء مقاربة مختلفة تقوم على تعزيز حقوق الضحايا وأسرهم، من خلال الدعم النفسي والاجتماعي، وتأمين فرص التعليم والرعاية الصحية، وتطوير آليات تحفظ الذاكرة وتكرّس الاعتراف بالخسارة التي تعرضوا لها.

وبين منطق العقاب ومنطق الدعم، يتجاوز النقاش مسألة تنفيذ حكم أو إلغائه إلى تساؤل أوسع حول شكل العدالة التي تسعى المجتمعات إلى تحقيقها: هل تُقاس بعدد الأحكام التي تُنفّذ، أم بقدرتها على حماية الأحياء ومساندة المتضررين ومنع تكرار العنف؟