د. سيلفا بلوط

"أشرف الناس" ورهاب جحيم سارتر

7 دقائق للقراءة
من زاوية نفسية سياسية يصبح نداء "يا أشرف الناس" أداة فعالة للضبط الأيديولوجي

عبارة "يا أشرف الناس" في أدبيات "حزب الله" المتداولة، ليست مجرد تعبير عاطفي أو أسلوب بلاغي لحشد المؤيدين واستثارة مشاعرهم، بل تحمل أبعادًا نفسية وسياسية عميقة تتجاوز ظاهرها التمجيدي، وتؤدي دورًا فاعلا في تشكيل الهوية الجماعية والعلاقة مع الآخر.

منح صفة "أشرف الناس" لجماعة معينة لا يقتصر على إظهار التقدير لها، بل يمنح، في سياق تأكيد مكانة أخلاقية استثنائية، شعورًا بتفوق وتسام على الغير. فكلمة "أشرف" أفعل تفضيل لا تستكمل معناها إلا بوجود من يملك أرفع خاصية للشرف مقارنة بآخرين. ما يعني أنها متقومة بوجود ذات وآخر، أو بوضعية ذات تتأمل نفسها بمقارنة ما تختص به مع الآخرين. فخطاب أشرف الناس يستدعي المخاطب الحاضر وغير المخاطب المغيب بقصد ومبالغة في التنكير وحتى التنكيل.

هذا النوع من الخطاب يجسّد حاجة إنسانية إلى الاعتراف والتقدير. إذ يميل الأفراد بطبيعتهم إلى تبنّي الصور الإيجابية التي تُنسب إليهم وكذلك إلى الجماعات التي ينتمون إليها. ومن هنا يؤدي الخطاب المشبع بعبارات التعظيم إلى رفع مستوى التقدير الجمعي للذات، وتجذّر شرعية الجماعة، وتعزيز ثقة أعضائها بقيادتهم. إلا أن هذا التقدير لا يبقى مجرد وصف رمزي، بل يتحول إلى تأسيس لفوقية أخلاقية تمنح الجماعة شعورًا بامتلاك شرعية خاصة قد تُستخدم لتبرير مواقفها ومطالبها السياسية.

ومن أجل فهم هذه الدينامية بصورة أعمق، تبدو العودة إلى فلسفة جان بول سارتر ضرورية، ولا سيما من خلال منظوره حول مسألتي الوجود البشري ونظرة الآخر، وما يترتب عليهما من آثار نفسية ووجودية.

يقسم سارتر، في كتابه "الوجود والعدم"، الوجود إلى "وجود في ذاته" و"وجود لأجل ذاته". الأول يشير إلى وجود الشيء المتحقق بالكامل ولا يحتاج إلى مزيد تحقق أو اكتمال، ولا يختزن أي إمكانات إضافية لطبيعة وجوده، مثل الحجر والجماد. هو وجود مطابق لذاته ولا يحتاج إلى تجاوز ما هو فيه لأنه في حالة اكتمال. أما الوجود لأجل ذاته، وهو الوجود الذي يعي وجوده فيجده غير مكتمل ولم يستوف كامل إمكاناته، فيجد نفسه في حالة عدم تطابق مع ذاته، وينزع إلى استدعاء وتحقيق ما هو غير متحقق، لتجده في حالة تجاوز مستمر لذاته ووجوده. وهذا هو صلب الحرية بالنسبة إلى سارتر، التي لا يراها حرية التصرف بما هو متوفر لدى الذات بل النزوع المستمر والفاعل لاستكمال الوجود الذي لم يتحقق بعد. فالحرية ليست حق التصرف بما هو متوفر ومتحقق بل فعل وجود يحقق نفسه باستمرار، أي هي فعل انوجاد مستمر.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى عبارة "يا أشرف الناس" بوصفها محاولة لتثبيت الإنسان داخل تعريف أخلاقي نهائي ومكتمل وتام. إذ يظهر من يتم تقديمه على أنه بلغ مرتبة الشرف الكاملة، وكأنه حقق اكتمالا أخلاقيًا لا يحتاج إلى مراجعة أو تطوير. وبهذا المعنى، يجري تجميده داخل صورة ثابتة أقرب إلى "الوجود في ذاته"، بدلا من الاعتراف به ككائن حر في حالة تشكّل دائم. وفي هذه الحال، يتبدى تجويف على المستويين النفسي والمعرفي يعمل على تعطيل دينامية الحياة النفسية من خلال إعطاب طاقته وجعلها "خارج العمل".

ولا تقتصر النتائج على المستوى الفلسفي فحسب، بل تمتد إلى المجال النفسي. يشكّل اعتقاد الفرد أو الجماعة بالامتلاك الكامل للفضيلة نوعًا من النرجسية الجمعية التي تُضعف الحاجة إلى النقد الذاتي وإلى تطوير الذات. ومع الوقت، تتحول صورة التفوق الأخلاقي إلى مصدر للجمود والرضا أو الاكتفاء الوهمي، بحيث يفقد الفرد أو الجماعة الدافع إلى مراجعة أخطائهم أو إعادة التفكير في خياراتهم. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بالكسل الوجودي المتمثل في التراجع عن ممارسة الحرية باعتبارها مشروعًا دائمًا للتجاوز والتغيير.

ومن زاوية نفسية سياسية، يصبح نداء "يا أشرف الناس" أداة فعالة للضبط الأيديولوجي. لا تكتفي السلطة السياسية أو الحزبية بتوجيه الموالين، بل تمنحهم صورة مثالية عن أنفسهم تجعلهم أكثر ارتباطًا بها. وكلما تعاظمت هذه الصورة، تراجعت الحاجة إلى مساءلة القيادة أو الاعتراض على الواقع القائم. وبدلا من أن يتحول الشعور بالقيمة إلى حافز للمشاركة النقدية، يصبح وسيلة لتثبيت الولاء وإعادة إنتاجه.

لكن أخطر ما في هذه الدينامية أنها لا تكتفي بصناعة صورة إيجابية للذات، بل تؤسس أيضًا لعلاقة متوترة مع الآخر. وهنا تبرز أهمية مفهوم "نظرة الآخر" عند سارتر. إن الإنسان لا يبني هويته من داخله فقط، بل من خلال الطريقة التي يراه بها الآخرون. وعندما يمنح الزعيم السياسي جماعته صفة "الأشرف"، فإنه لا يصفها فحسب، بل يصنع لها هوية محددة يدعو أفرادها إلى تبنيها والدفاع عنها.

إلا أن سارتر يؤكد أن الإنسان ليس جوهرًا ثابتًا، بل مشروع حرية دائم التجاوز لكل التعريفات الجاهزة. ولهذا السبب، ينطوي اختزال الأفراد داخل هوية مغلقة، مهما بدت إيجابية، على خطر وجودي يتمثل في مصادرة إمكاناتهم وحريتهم. ومع مرور الزمن، قد تقع الجماعة في فخ التماهي الكامل مع الصورة التي رُسمت لها، وتنسى أنها أكثر تعقيدًا وتنوعًا من أي تعريف سياسي أو أخلاقي.

من هنا يمكن فهم الحساسية المفرطة التي تبديها بعض الجماعات المؤدلجة تجاه النقد. لا يتم النظر إلى الخصم السياسي بوصفه معارضًا فحسب، بل باعتباره تهديدًا للصورة المثالية التي شكّلتها الجماعة عن ذاتها. وتتحول كل مساءلة أو تشكيك إلى اعتداء على الهوية والكرامة والشرف الجماعي.

كما يمكن تفسير الشعبية الكبيرة لعبارات من نوع "يا أشرف الناس" بوظيفتها النفسية التعويضية. وهي لا تمنح الجماعة شعورًا بالفخر فقط، بل تساعدها أيضًا على ترميم الجروح النرجسية التي قد تنشأ عن الهزائم أو الأزمات أو الانتقادات. ولهذا السبب تصبح مفاهيم البطولة والتضحية والانتصار عناصر أساسية في تثبيت الهوية الأخلاقية المتخيلة وإعادة إنتاجها باستمرار.

وفي هذا السياق، تظهر المفارقة بوضوح عند التعرض للفشل أو الهزيمة. وفي اللحظة التي كانت الجماعة تسعى فيها إلى تحويل الآخرين إلى موضوعات خاضعة لنظرتها، تجد نفسها فجأة موضوعًا في نظرهم. وهنا تنكشف هشاشة الصورة المثالية التي بنتها عن ذاتها، ويتحول الآخر الذي جرى تهميشه أو إقصاؤه إلى مرآة تعكس نقاط ضعفها وتناقضاتها.

لا تكمن خطورة عبارة "يا أشرف الناس" في كلماتها وحدها، بل في البنية النفسية والسياسية التي تؤسس لها. إذ تقوم على تقسيم المجتمع إلى جماعة تحتكر الفضيلة وأخرى تُدفع إلى موقع النقص أو الخيانة أو انعدام الشرف. ويؤدي هذا النوع من الخطاب، في مجتمع تعددي كالمجتمع اللبناني، إلى تعميق الانقسامات القائمة بدلا من بناء فضاء سياسي مشترك قائم على الاعتراف المتبادل والمواطنة المتساوية.

في النهاية، لا تكمن الحرية في الانتماء إلى جماعة تدّعي امتلاك الحقيقة أو الفضيلة المطلقة، بل في قدرة الإنسان على الاعتراف بنقصه وعلى الحفاظ على وجوده ككائن حر ومنفتح على إمكانات جديدة. ولا يتم قياس الشرف الحقيقي بالانتماء إلى جماعة معينة، بل بالقدرة على ممارسة النقد الذاتي، وتحمل المسؤولية، والتمسك بحرية التفكير.

ولا يتجلى التحدي الأساسي في البحث عن جماعات "أشرف" من غيرها، بل في بناء علاقة صحية مع الذات والآخر، علاقة تعترف بالاختلاف من دون أن تحوله إلى عداوة، وبالكرامة من دون أن تجعل منها ذريعة للفوقية والإقصاء.

وأخيرًا، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن اعتبار عبارة "يا أشرف الناس" مجرد خطاب تعبوي، أم أنها تسهم فعلا في تشكيل وجود "في ذاته" مازوشي يأبى أن يهجر سجنه ويتلذذ بتجميد حياته النفسية؟


أستاذة جامعية