عيسى مخلوف

الاحتماء بمظلّة الخوف

4 دقائق للقراءة

منذ الصّيف الماضي، تغيّر المشهد المحيط ببرج إيفل في باريس، أحد المعالم السياحيّة الأكثر استقطاباً للسيّاح في العالم، بعد أن وُضع حوله جدارٌ مرتفع من الزجاج المضادّ للرّصاص، تتقدّمه كُتَل معدنيّة لمنع هجمات إرهابيّة محتملة بالسيّارت. برج إيفل الذي يوحي بالارتفاع والتحليق والحرّية، أصبحت قاعدته الآن مكبّلة بهذه الاحتياطات الأمنية التي لم يكن لها وجود منذ بنائه نهاية القرن التاسع عشر. أصبح البرج الأشهر في العالم خائفاً على نفسه وعلى الزوّار الآتين إلى مشاهدته من بقاع الأرض كلّها.

الخوف من العمليات الإرهابية لا ينحصر في فرنسا وحدها، بل يطالعنا أيضاً، وبنسب متفاوتة، في أماكن عدّة من العالم. في الشوارع والساحات والحدائق، وأمام مداخل المتاحف والمواقع الأثريّة وبعض المباني العامّة، وخصوصاً في المطارات ومحطّات القطار. هناك تاريخ جديد بدأ مع هجمات الحادي عشر من سبتمبر، تلك العمليّات الإرهابيّة التي أصابت العالم بالذهول والرعب، وكان الردّ عليها أشدّ هَولاً عندما نرى ماذا حلّ بالعراق وبمنطقة الشرق الأوسط برمّتها.

بالإضافة إلى جدران الخوف البادية للعيان، هناك جدران غير مرئيّة يتزايد وجودها يوماً بعد يوم وتتمثّل في تفاقم النزعة العنصريّة والحقد والتطرّف ورفض الآخر المختلِف. وتسعى دول كثيرة إلى توظيف هذه المناخات ضمن استرتيجية تعمل على تغذية الخوف واستغلاله لتطويع الشعوب ومراقبتها، وأيضاً لمقايضة الحرّية بالأمن. لكن، ما نفع الاحتياطات الأمنية كلّها حين تصبح الأرض بأكملها مكاناً غير آمن؟ وأيّ معنى لهذه الاحتياطات في غياب التصدّي الفعلي للأسباب التي أدّت إلى الإرهاب وخلقت الظروف المؤاتية لنموّه؟

كان بإمكان التطوّر العلمي، التقني التكنولوجي، أن يكون مدخلاً لتقدّم البشرية جمعاء لا أن يكون عاملاً آخر في تعميق الهوّة الرقميّة والاقتصادية والاجتماعية بين الشمال والجنوب، بين دول غنيّة ودول فقيرة، بين دول متطوّرة تمتلك التكنولوجيا ودول نامية لا تمتلكها. نردّد دائماً أنّ الإنترنت هو وسيلة عظيمة للانفتاح على المعرفة وتطوير التعليم والثقافة، لكن الفئة المستفيدة من هذه الوسيلة لا تزال ضئيلة جداً. ثورة التكنولوجيا والاتصالات يفيد منها جزء بسيط من البشر، بينما يبقى خارجها مليارات الأشخاص. العولمة المنتصرة تتحرّك ككُتلة عمياء لامبالية، تتقدّم وتطحن في طريقها القيم الكونيّة والقواسم المشتركة لتفرض نموذجها الخاصّ بدل أن تساعد على تقاسم المعارف وإيلاء أهمية أكبر لحاجات الإنسان المادية والروحية.

في العقود الأخيرة، حقّق التقدُّم العلمي والتكنولوجي قفزة هائلة، لكن من دون أن يواكبه تقدُّم على المستوى الإنساني. تقدُّم من شأنه أن يعيد تحديد موقع الإنسان في الكون، ويدفع إلى تغيير العلاقة بينه وبين البيئة. والحال هذه، هل يمكن أَنْسَنَة العالم وإنقاذ الأرض، هذا البيت الواحد للجميع، إذا لم يتوسّع انتماؤنا ويتّخذ بعداً إنسانياً، فلا يعود ينحصر فقط في جنسيّة وثقافة ولون ودين؟ هل بالإمكان أن تستمرّ المعادلة القائمة بين قطبين اثنين يعيش العالم في كنفهما اليوم: سلطة تفيد من التقدّم العلمي والتكنولوجي إلى أقصى الحدود، وترتكز على فائض القوة لتؤكّد سيادتها في المجالات كلّها، من جهة، وقوى التطرّف والإرهاب التي تنمو في الأقبية المظلمة، وفي القسم المُهمَل من هذا الكوكب، من جهة أخرى؟

استحقاق الحياة على هذه الأرض لم يعد ممكناً بالطريقة السائدة منذ ألوف السنين. هناك تحدّيات كبيرة تواجه الجميع وتقتضي رؤى جديدة لتقاسم العيش على سطح هذا الكوكب وحمايته وإدارة العيش فيه. غابات الأمازون المشتعلة اليوم لا تنتمي فقط إلى البرازيل والدول المجاورة لها، طالما أنّ انعكاسات بقائها أو زوالها تمسّ مصير البشريّة بأكملها. انفجار مفاعل نووي في دولة نووية، كالذي حصل في تشيرنوبيل، لا تنحصر آثاره المدمّرة فقط في منطقة الانفجار فحسب. الفقر عابر للقارّات، وكذلك ما يُسفر عن الجهل والأمّيّة والبطالة والتعصُّب، وتلوّث الهواء والماء والبحار والمحيطات. لقد باتت الحاجة ملحّة اليوم إلى الانتقال من تاريخ قائم على انقسام حادّ بين الشعوب والثقافات، إلى مسار جديد وُجهَته التضامن والحوار المتكافئ والمساواة والعدل لوضع حدّ للظلم والحروب والمجازر، ولتفادي الوصول إلى الهاوية.

في الظروف الراهنة، كم يبدو هذا الحلم بعيد المنال، لكنّنا لا نملك إلاّ أن نتطلّع إليه حتى لا نظلّ ننظر إلى وجوهنا وإلى المستقبل في مرآة العالم المحطَّمة.