زياد البيطار

ذخائر أميركا... مخزون تحت الاختبار

5 دقائق للقراءة
ترامب: نمتلك "إمدادات شبه غير محدودة" من الأسلحة

تتزايد المخاوف داخل الأوساط العسكرية والسياسية الأميركية في شأن تراجع مخزون الذخائر لدى البنتاغون، في ظلّ الاستهلاك المتسارع للصواريخ ومنظومات الاعتراض خلال العمليات العسكرية الأخيرة، ما أثار قلق مسؤولين دفاعيين ومشرّعين وخبراء أمنيين حول قدرة أميركا على مواجهة أزمات أو صراعات محتملة على جبهات أخرى.

رغم هذه التحذيرات، قلّل وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث من أهمية المخاوف المرتبطة بمستوى الجهوزية العسكرية، في حين سبق للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن أكد أن بلاده تمتلك "إمدادات شبه غير محدودة" من الأسلحة. كذلك، شدّدت المتحدّثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي على أن الجيش الأميركي يمتلك ما يكفي وأكثر من الذخائر والمخزونات العسكرية لتلبية "كلّ الأهداف الاستراتيجية للرئيس ترامب وما يتجاوزها"، معتبرة أن عملية "الغضب الملحمي" أظهرت بوضوح عواقب تحدّي أميركا.

في السياق، أشارت رئيسة مكتب "بريكينغ دفنس" في الشرق الأوسط أغنس حلو إلى أن الإنتاج الأميركي من الذخائر، ولا سيّما الدفاعية منها، كبير جدًا مقارنة ببقية الدول، بسبب الطلب المرتفع على أنظمة الدفاع الجوي الأميركية. وأضافت حلو أن التحضيرات الجارية وطلبات زيادة الإنتاج في أميركا تهدف فقط إلى تغطية النقص الحالي، ولا ترقى إلى مستوى أزمة في عملية التصنيع أو التذخير. كما أوضحت أن ما يُعرف بـ "خطوط الإنتاج"، وهي شركات متخصّصة تنتج كلّ جزء من أجزاء الصاروخ للوصول إلى المنتج النهائي، تعمل بشكل طبيعي. واعتبرت أن أي مؤشرات على نقص أو ضغط في الإنتاج قد تدفع أميركا إلى تأجيل عقود تسليم الصواريخ والمعدات للدول المتعاقدة، إلى حين استكمال تغطية احتياجاتها الداخلية وتعويض الخسائر.

لكن تقارير إعلامية أميركية سلّطت الضوء على تحدّيات متزايدة في هذا الملف، إذ أفادت شبكة "أن بي سي نيوز" بأن البنتاغون لم يوقّع أي عقود جديدة طويلة الأجل لشراء صواريخ إضافية منذ تولّي ترامب منصبه، رغم تنامي القلق في شأن تراجع المخزونات. وأشار مسؤولون وممثلون عن شركات دفاعية إلى أن وزارة الحرب أبرمت خلال الفترة الماضية اتفاقيات إطار في مجال التسليح، لكنها لم تتضمّن عقودًا فعلية لإنتاج ذخائر جديدة من شأنها تعويض النقص القائم في المخزون الأميركي.

ويعود جزء كبير من هذا التراجع إلى الدعم العسكري الذي قدّمته واشنطن إلى كييف منذ بدء الغزو الروسي عام 2022، إلّا أن الضغوط على المخزونات ازدادت بصورة ملحوظة خلال العام الماضي مع تنفيذ أميركا ضربات ضدّ إيران ضمن عملية "مطرقة منتصف الليل"، ثمّ مع الحرب التي شنّتها واشنطن وتل أبيب في 28 شباط. وتؤكد تقديرات صادرة عن مسؤولين في الكونغرس وخبراء دفاعيين أن البنتاغون يحتاج إلى ما لا يقلّ عن 20 مليار دولار إضافية لبدء إنتاج كميات جديدة من الصواريخ، في إطار خطة تهدف إلى إعادة المخزون الأميركي إلى المستويات التي كان عليها قبل بدء تزويد أوكرانيا بالأسلحة عام 2022.

في هذا الإطار، كشفت لجنة الاعتمادات في مجلس النواب الأميركي مشروع قانون للإنفاق الدفاعي تتجاوز قيمته تريليون دولار، مع إيلاء اهتمام خاص لزيادة إنتاج الذخائر والصواريخ. ورغم استمرار خطوط الإنتاج في العمل، فإن معظم الصواريخ التي يجري تصنيعها حاليًا تأتي في إطار عقود وقّعت قبل سنوات. كما أدّى تراجع المخزون إلى اضطرار أميركا إلى سحب ذخائر من مستودعاتها في أوروبا وآسيا لتلبية الطلب المتزايد على الصواريخ المستخدمة في الحرب ضدّ إيران.

وتحذّر تقديرات ومراجعات عسكرية متخصّصة من أن العمليات الأخيرة تركت أثرًا مباشرًا على مستوى الجهوزية، وهو ما تعكسه دراسة أجراها "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية"، خلصت إلى أن أميركا تواجه تراجعًا عامًا في مخزون الأسلحة، مع مخاوف خصوصًا في شأن الأسلحة الدقيقة بعيدة المدى، بما في ذلك صواريخ "توماهوك"، وصواريخ جو - أرض المشتركة، وصواريخ "باتريوت"، إضافة إلى صواريخ الاعتراض التابعة لمنظومة "ثاد"، ما قد يُنذر بأزمة جهوزية حادة، بالنظر إلى دور هذه المخزونات بوصفها العمود الفقري للردع الأميركي، خصوصًا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

تظهر المقارنة التاريخية مع الحرب العالمية الثانية أن أميركا لم تواجه آنذاك أزمة إنتاجية مماثلة، رغم تعقيدات الإمداد الميداني. فقد أنتجت الصناعة الأميركية خلال الحرب كميات هائلة من الذخائر شملت نحو 47 مليار طلقة من ذخائر الأسلحة الخفيفة، إضافة إلى ملايين القذائف المدفعية، وغالبًا ما تجاوز هذا الإنتاج مجموع إنتاج بقية دول العالم مجتمعة. بالفعل، شهد المجهود الحربي آنذاك تحوّلا صناعيًا بالغ الأهمية، إذ جرى تحويل عدد كبير من المصانع المدنية إلى منشآت إنتاج عسكري، ضمن تعبئة شاملة قادتها الإدارة الأميركية، بحيث ساهمت الحوافز المالية، بما في ذلك التمويل والإعفاءات الضريبية وضمانات العقود، في تسريع تحوّل الشركات الصناعية، إضافة إلى مبادرات أُقرّت قبل دخول أميركا الحرب، مثل قانون الإعارة والتأجير، الذي عزّز القاعدة الصناعية الأميركية قبل الانخراط المباشر في القتال.

على سبيل المثال، قامت شركات كبرى مثل شركة "فورد" بإعادة تهيئة مصانعها لإنتاج قاذفات "بي 24 ليبيرايتور"، فيما أنشأت "كرايسلر" مصنع دبابات ديترويت القائم على أساليب الإنتاج الضخم. كما تحوّلت صناعات مدنية أخرى إلى الإنتاج العسكري، حيث انتقلت شركات الثلاجات إلى تصنيع رشاشات "براوننغ" عيار 50، فيما أعادت شركات المسامير والنحاس توجيه إنتاجها نحو مشابك الذخيرة وقذائف المدفعية، إضافة إلى مكوّنات استُخدمت لاحقًا في تطوير القنبلة الذرية.

في ظلّ التحذيرات من استنزاف المخزونات الأميركية والمخاوف حول القدرة على تعويض الخسائر في الوقت المطلوب، وانطلاقًا من تجربة الحرب العالمية الثانية، يضغط ترامب على مديري كبرى الشركات في قطاع الصناعات الدفاعية لزيادة إنتاج الأسلحة وتسريعه لمصلحة البنتاغون، كما يحضّ الحلفاء حول العالم، خصوصًا الأوروبيين، على زيادة إنفاقهم الدفاعي وتعزيز قدراتهم الذاتية على حماية أمنهم القومي.