الدكتور سايد حرقص

من «ما بعد حيفا» إلى «ما بعد الليطاني»

4 دقائق للقراءة

في تموز 2006، دوّى في أرجاء الشرق شعارٌ أطلقه السيد حسن نصر الله: «ما بعد حيفا»، فبدا يومها وكأنه إعلانٌ عن مرحلة جديدة تتجاوز حدود المواجهة التقليدية. لم يكن مجرد عبارة أطلقت في خضم حرب، بل كان تعبيراً عن مرحلة كاملة من الثقة بالنفس، وعن قناعة راسخة لدى جمهور واسع بأن موازين القوى تتغير، وأن المستقبل يُكتب بلغة مختلفة عمّا عرفته المنطقة لعقود.

في تلك الأيام، صورت الدعاية الاعلامية لحزب الله، أن الحدود التقليدية للصراع قد سقطت، وأن المبادرة انتقلت إلى الحزب الذي بات قادراً ليس فقط على الردع والدفاع، بل على إعادة رسم معادلات الشرق وفرض وقائع جديدة حتى على أعدائه. لكن التاريخ يعلمنا أن الشعارات شيء، والوقائع شيء آخر.

فالحروب لا تُقاس بحجم الخطابات الحماسية الرنانة التي ترافقها، ولا بعدد وقوة الهتافات التي تملأ الساحات. الحروب تُقاس بما تتركه خلفها من نتائج، وبالثمن الذي يدفعه الناس، وبقدرتها على تحقيق الأهداف التي خيضت من أجلها.

على مدى سنوات طويلة، عاش لبنان والمنطقة على وقع سرديات القوة وتغيير الموازين. ومع كل مواجهة جديدة، كانت الوعود والآمال والأحلام تكبر، كما كانت التضحيات تكبر معها. غير أن المشهد الذي فرضته السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد حروب الاسناد المدمرة، كشف عن واقع مختلف تماماً.

فالشعار الذي كان يتحدث عن «ما بعد حيفا» اختفى تدريجيا من التداول، ليحل مكانه سؤال أكثر إلحاحاً وأشد قسوة: ماذا عن «ما بعد الليطاني»؟

هنا نتحدث عن تحول عميق في طبيعة الصراع وفي موقع لبنان داخله. فالنقاش لم يعد يدور حول نقل المعركة إلى عمق إسرائيل، بل حول مصير المناطق الواقعة جنوب الليطاني، وحول ترتيبات أمنية، وانتشار عسكري، وضمانات دولية، وحدود الحركة في منطقة كانت تُقدَّم يوماً باعتبارها نقطة الانطلاق نحو معادلات أكبر.

إنها المسافة الهائلة بين مشروع تحدث طويلاً عن توسيع النفوذ وفرض الوقائع، وبين واقع بات منشغلاً بكيفية احتواء الخسائر ومنع المزيد من التراجع.

وبين حيفا والليطاني تختبئ مأساة سنوات طويلة من الرهانات الكبرى التي اصطدمت بوقائع الجغرافيا والسياسة والتكنولوجيا وموازين القوى الدولية. لقد دخل الذكاء الاصطناعي ساحات القتال، وتطورت منظومات المراقبة والاستهداف والاستخبارات إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبحت الحروب تُدار بمنطق مختلف تماماً عما عرفه التاريخ.

لكن، في نهاية المطاف، الذين دفعوا ثمن الرهانات هم الناس. هم أبناء القرى الجنوبية الذين عاشوا النزوح مرة بعد مرة. وهم العائلات التي شاهدت منازلها تتحول إلى ركام. وهم الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام مستقبل أكثر غموضاً وفقراً وهجرة. وهم اللبنانيون الذين دفعوا من استقرارهم واقتصادهم وأعمارهم ثمن صراعات أكبر من قدرتهم على التأثير في مسارها. فهل يمكن لأي مجتمع أن يستمر إلى ما لا نهاية في دورة مغلقة عنوانها: حرب، ثم إعادة إعمار، ثم حرب جديدة، ثم إعادة إعمار جديدة؟

لقد أثبتت التجربتان الألمانية واليابانية، بعد أن اختبرتا الأيديولوجيات والخطابات والحروب الكبرى، أن الانتصارات الحقيقية لا تُقاس بالصواريخ والشعارات، بل بقدرة الإنسان على إعادة البناء، وبقدرة المجتمعات على بناء الإنسان الحضاري القادر على الإبداع والإنتاج واحترام القانون، وبقدرة المواطن على أن يعيش بكرامة في وطنه، وبقدرة الشباب على صناعة مستقبلهم داخل بلادهم، وبقدرة الدولة على أن تكون المرجعية الوحيدة التي تحتكر قرار السلم والحرب، وتحمي جميع مواطنيها من دون استثناء.

اليوم، بين «ما بعد حيفا» و«ما بعد الليطاني»، سقطت أوهام كثيرة وانكشفت حقائق قاسية. وربما لا تكمن الشجاعة الحقيقية في إطلاق شعارات جديدة أو نسج أوهام جديدة، كما تحاول الآلة الإعلامية لحزب الله أن تفعل، بل في امتلاك الدولة اللبنانية الجرأة على استخلاص العبر من التجارب الماضية، والثقة بالنفس لتحويل القرارات المكتوبة على الورق إلى أفعال ملموسة وسياسات نافذة. فالمطلوب أن يقتنع الجميع بأن حماية الأرض والشعب والسيادة هي مسؤولية الدولة وحدها، وأن زمن الكيانات الموازية والسلاح الخارج عن مؤسسات الدولة قد انتهى. أما اتفاق القاهرة، وما ارتبط به من مفاهيم وممارسات، وكذلك النهج الذي مثّله كل من إميل لحود وميشال عون في مقاربة مسألة السلاح والدولة، فقد أصبح جزءاً من مزبلة التاريخ، ولن يكون لها مكان في مستقبل لبنان.