الدكتور أنور صيّاح

سلسلة: نحو الإنسانية (5)

العدالة قبل القوة... عندما لا تكفي الحرية وحدها

9 دقائق للقراءة

منذ بداية هذه السلسلة، كان البحث يدور حول سؤال واحد بأشكال مختلفة: كيف نحافظ على مركزية الإنسان في عالم تتنافس فيه الأفكار والانتماءات والقوانين واليقينيات على احتلال هذا المركز؟

بدأنا مع الإنسان عندما ناقشنا علاقته بالعقيدة، ثم انتقلنا إلى الأخلاق وعلاقتها بالقانون، وبعدها إلى المواطنة وعلاقتها بالانتماءات، ثم إلى الحرية وعلاقتها باليقين.

مع كل محطة، كان يتكرر الاكتشاف نفسه: أن الإنسان لا يفقد إنسانيته فقط عندما يُظلم، بل أحياناً عندما تُقدَّم عليه الأفكار، أو تُغلَّب عليه الانتماءات، أو تُصادَر حريته في التفكير والاختيار.

لكن إذا كانت الحرية تمنح الإنسان القدرة على الاختيار، فإن سؤالاً جديداً يفرض نفسه اليوم:

ماذا يفعل الإنسان بحريته؟

ليست الحرية غاية بحد ذاتها، فالإنسان قد يكون حراً، لكنه قد يكون ظالماً، وقد يكون المجتمع حراً، لكنه قد يبقى غير عادل، وقد تُمنح الحقوق للجميع نظرياً، بينما تبقى الفرص موزعة بغير عدالة. ولهذا لم يكن السؤال الذي شغل الفلاسفة عبر التاريخ: كيف نصبح أحراراً فقط؟ بل: كيف نجعل الحرية في خدمة العدالة؟

وهنا نصل إلى واحدة من أهم القيم التي قامت عليها الحضارات واستقرت بها المجتمعات: "العدالة".

لماذا العدالة قبل القوة؟

تستطيع القوة أن تفرض النظام، لكنها لا تستطيع أن تمنحه الشرعية؛ وتستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تستطيع أن تفرض الاقتناع؛ وتستطيع أن تُسكت الاعتراض، لكنها لا تستطيع أن تُنتج العدالة؛ فالإنسان قد يخضع للقوة، لكنه لا يمنح شرعيته الحقيقية المرتبطة بالحرية إلا لما يراه عادلاً. من هنا كانت العدالة، لا القوة، هي أساس الاستقرار الحقيقي.

العدالة كانسجام

في كتابه الشهير "الجمهورية" (The Republic)، رأى أفلاطون (Plato) أن العدالة ليست مجرد قوانين أو عقوبات، بل حالة انسجام بين أجزاء المجتمع المختلفة. فالمجتمع العادل هو المجتمع الذي يؤدي فيه كل فرد دوره دون أن يطغى على دور الآخرين. وكان يعتقد أن الظلم لا يؤذي الضحية فقط، بل يفسد المجتمع كله.

فالعدالة ليست خدمة لفئة معينة، بل مصلحة عامة للجميع.

العدالة كاستحقاق

أما أرسطو (Aristotle)، فقد قدّم تعريفاً ظل يتردد عبر القرون: "العدالة هي إعطاء كل ذي حق حقه." لكن هذا التعريف البسيط يخفي سؤالاً عميقاً: من يحدد الحقوق؟ وكيف توزّع الفرص؟ وكيف يُحاسب الناس؟ العدالة لا تعني المساواة المطلقة بين الجميع، بل تعني أن يخضع الجميع للمعايير نفسها. فعندما يصبح القانون مختلفاً باختلاف الأشخاص، تموت العدالة مهما كانت النصوص جميلة.

العدالة كإنصاف

في القرن العشرين، طرح الفيلسوف الأمريكي جون رولز (John Rawls) تجربة فكرية شهيرة. تخيل أنك ستولد من جديد داخل المجتمع، لكنك لا تعرف مسبقاً إن كنت غنياً أم فقيراً، قوياً أم ضعيفاً، تنتمي إلى الأكثرية أم الأقلية؛ أي نظام ستختار؟

يرى رولز أن الإنسان في هذه الحالة سيختار نظاماً يحمي الجميع، لأنه لا يعرف أي موقع سيشغله؛ وهكذا تصبح العدالة مرتبطة بقدرتنا على النظر إلى المجتمع من خارج مصالحنا الخاصة.

رغم اختلاف مقارباتهم، فقد التقى هؤلاء الفلاسفة حول فكرة واحدة، أن المجتمع لا يستقر بالقوة وحدها، بل بإحساس أفراده بأن ما يحصلون عليه وما يُطلب منهم يخضع لميزان عادل.

القوة تصنع السلطة... والعدالة تصنع الشرعية

لا تكمن خطورة القوة في وجودها، فكل مجتمع يحتاج إلى سلطة؛ وكل دولة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على تنفيذ القانون؛ وكل نظام يحتاج إلى أدوات تحمي الأمن والاستقرار. لكن الخطر يبدأ عندما تصبح القوة هي مصدر الحق بدلاً من أن تكون أداة لحمايته. عندما يصبح الأقوى هو الأحقّ، والأغنى هو الأكثر تأثيراً، وصاحب النفوذ هو الأكثر حصانة.

عندها لا تموت العدالة فقط، بل يبدأ الإنسان بفقدان ثقته بالمجتمع نفسه، فالقوة التي اوصلتك السلطة، لا تستطيع أن تمنحك الشرعية. فالشرعية فلا تُبنى إلا على شعور الناس بأنهم يُعاملون بعدالة.

ولهذا لم تسقط الإمبراطوريات الكبرى عندما ضعفت جيوشها فقط، بل عندما فقد الناس إيمانهم بعدالتها. فالإنسان قد يخضع للقوة زمناً، لكنه لا يمنح ولاءه الحقيقي إلا لما يراه عادلاً.

عندما تنتصر القوة

تكمن مشكلة القوة في أنها قادرة على إقناع صاحبها بأنه يستحق أكثر من غيره، فالتاريخ مليء بإمبراطوريات امتلكت القوة لكنها افتقدت العدالة؛ ومليء بأنظمة استطاعت أن تفرض الخوف لكنها فشلت في بناء الثقة، فالقوة وحدها تستطيع أن تُخضع الناس، لكن العدالة وحدها تستطيع أن تجعلهم يشعرون بالانتماء.

ولهذا فإن المجتمعات لا تنهار دائماً بسبب ضعف القوة، بل كثيراً ما تنهار بسبب غياب العدالة.

لبنان: عندما تصبح العدالة مطلباً لا واقعاً

ولعل التجربة اللبنانية تكشف بوضوح الثمن الذي تدفعه المجتمعات عندما تبتعد عن هذا المبدأ. فاللبنانيون يختلفون في السياسة، ويختلفون في الدين، ويختلفون في قراءة التاريخ، لكنهم يكادون يتفقون على أمر واحد:

أن العدالة ما زالت مطلباً أكثر منها واقعاً.

فعندما تتعثر المحاسبة، ويشعر المواطن أن القانون لا يُطبق على الجميع بالطريقة نفسها، تبدأ الثقة بالتآكل.

وعندما تصبح العدالة انتقائية، يفقد الناس إيمانهم بالمؤسسات. وعندما يفقد الناس ثقتهم بالمؤسسات، يعودون إلى الطائفة والحزب والزعيم والعائلة بحثاً عن الحماية.

وقد لا يشعر المواطن بغياب العدالة عندما يسمع خطاباً سياسياً أو يقرأ نصاً قانونيا، لكنه يشعر بها عندما يرى موظفاً كفوءاً يخسر فرصة يستحقها لمصلحة صاحب نفوذ. ويشعر بها عندما يقضي سنوات في بناء مستقبل لعائلته ثم يكتشف أن القواعد لا تُطبق على الجميع بالطريقة نفسه، لم يطلب امتيازاً، لم يطلب ثروة، فقط وضع مدخرات عمره في المصرف؛ ثم استيقظ ذات يوم ليكتشف أن عمره كله أصبح أرقاماً لا يستطيع الوصول إليها؛ لم تكن خسارته مالية فقط، بل كانت خسارة في شيء أعمق: الإيمان بأن القواعد تطبق على الجميع؛ وهنا لا تصبح الأزمة أزمة مال، بل أزمة عدالة.

ففي تلك اللحظات لا يشعر الإنسان أنه خسر حقاً فقط، بل يشعر أن المجتمع أخبره، بصمتٍ قاسٍ، أن حياته أقل أهمية من حياة غيره.

وهكذا يصبح غياب العدالة أحد الأسباب التي تعيد إنتاج الانقسامات نفسها التي حاولنا مناقشتها في المقالات السابقة، فالمواطنة تحتاج إلى عدالة، والحرية تحتاج إلى عدالة، وحتى السلطة نفسها تحتاج إلى عدالة لكي تستمر.

من الحرية إلى العدالة

في المقال السابق، كانت الحرية دفاعاً عن حق الإنسان في أن يفكر ويختار ويشك ويبحث، لكن الإنسان لا يعيش وحده. فكل حرية فردية تدخل عاجلاً أم آجلاً في علاقة مع حريات الآخرين، وهنا تظهر الحاجة إلى العدالة.

فالحرية تمنح الإنسان القدرة على الاختيار، أما العدالة فتنظم تعايش هذه الاختيارات داخل المجتمع؛ وإذا كانت الحرية تحمي الإنسان من الاستبداد، فإن العدالة تحمي الإنسان من الإنسان.

ولهذا فإن الحرية عدالة الفرد، والعدالة حرية المجتمع. غير أن الحرية لا تكتمل بمجرد امتلاك حق الاختيار.

فالحرية الحقيقية ليست أن يفعل الإنسان كل ما يستطيع فعله، بل أن يتحمل مسؤولية ما يختار أن يفعله.

ولهذا لا تنفصل الحرية عن المسؤولية، كما لا تنفصل العدالة عن الحرية.

فالحرية من دون مسؤولية قد تتحول إلى فوضى تبررها الرغبات، والعدالة من دون حرية قد تتحول إلى وصاية تبررها السلطة. الحرية حق للفرد، ومسؤولية تجاه الآخرين.

أما المجتمع الإنساني السليم، فهو ذاك الذي يوازن بين الحرية والمسؤولية: أفراد أحرار بما يكفي ليختاروا، ومسؤولون بما يكفي لئلا تتحول اختياراتهم إلى ظلم للآخرين.

عندما تلتقي الحرية بالعدالة

الحرية تمنح الإنسان حق الاختيار، أما العدالة فتنظم علاقة هذه الاختيارات بعضها ببعض؛ ولهذا لا تتعارض العدالة مع الحرية، بل تحميها من أن تتحول إلى امتياز للأقوى أو إلى فوضى تلتهم حقوق الآخرين. وقد عبّر جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill) عن هذه الفكرة من خلال مبدأ بسيط وعميق في آن واحد: أن حرية الإنسان مشروعة ما دامت لا تلحق الضرر بالآخرين.

ولعل واحدة من أكثر العبارات تعبيراً عن هذه العلاقة هي القول الشائع في الفكر السياسي الحديث: "تنتهي حريتك حيث تبدأ حرية الآخرين."

فليست الحرية حقاً في أن أفعل كل ما أريد، بل حقاً في أن أفعل ما أريد دون أن أعتدي على حق غيري في أن يفعل ما يريد. ومن هنا تصبح العدالة الامتداد الطبيعي للحرية.

فالحرية تحمي الفرد من القهر، أما العدالة فتحمي المجتمع من أن تتحول حريات أفراده إلى صراع بين القوى والمصالح.

الحرية تحرر الإنسان، أما العدالة فتنظم حريات البشر عندما يلتقون.

حريتي لا تكتمل بإلغاء حرية غيري، كما أن حقوقي لا تصبح أكثر قيمة عندما تنتقص من حقوق الآخرين.

ولهذا لم تكن العدالة نقيض الحرية يوماً، بل امتدادها الطبيعي في المجال العام.

الحرية هي عدالة الفرد، والعدالة هي حرية المجتمع.

وربما لهذا السبب لا يمكن لإحداهما أن تعيش طويلاً من دون الأخرى.

الخاتمة

وهكذا تستمر خيوط هذه السلسلة في الالتقاء عند الفكرة نفسها، ففي كل محطة من محطاتها، لم يكن البحث عن فكرة جديدة بقدر ما كان محاولة جديدة لحماية الإنسان من شيء قد يبتعد به عن إنسانيته.

فالإنسان قبل العقيدة... لأن الإنسان لا يجب أن يصبح ضحية الأفكار التي صنعها.

والأخلاق قبل القوانين... لأن النصوص تفقد معناها عندما تنفصل عن ضمير الإنسان.

والمواطنة قبل الطائفة... لأن الانتماءات يجب أن تجمع الإنسان لا أن تختزله.

والحرية قبل اليقين... لأن الإنسان لا يزدهر داخل السجون الفكرية مهما بدت مريحة.

والعدالة قبل القوة... لأن أخطر ما قد يواجهه الإنسان ليس الطبيعة ولا القدر، بل ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

ولهذا لم تكن هذه السلسلة دفاعاً عن مفهوم ضد آخر، ولا عن فكرة في مواجهة فكرة، بل محاولة متواصلة لإعادة الإنسان إلى المكان الذي يجب أن يكون فيه: في قلب كل عقيدة، وكل قانون، وكل انتماء، وكل حرية، وكل سلطة.

فالقوة تستطيع أن تُخضع الناس زمناً، لكنها لا تستطيع أن تجعلهم يؤمنون بالمجتمع، أما العدالة، فهي التي تجعل الإنسان يشعر أن كرامته ليست امتيازاً يُمنح، بل حقاً يُصان.

ولهذا لم تبنَ الأمم العظيمة على القوة وحدها، بل على شعور مواطنيها بأن العدالة، مهما تأخرت، تبقى أعلى من الجميع.

فالأمم والجماعات والمؤسسات لا تسقط عندما تضعف قوتها، بل عندما يفقد أبناؤها إيمانهم بعدالتها.