اعتاد لبنان انتظار موسم السياحة والاصطياف كل سنة، فتلبس مدنه وبلداته وقراه حلّة الفرح والمهرجان، لكن صيف العام 2026 يأتي مختلفا ومثقلا بتداعيات الحرب وانعكاساتها على البشر والحجر والاقتصاد، إذ أُطفئت أنوار العديد من المهرجانات قبل أن تُضاء، وأُسدلت الستارة قبل أن تُرفع على فعاليات كان ينتظرها الجمهور بشغف.
سبعون بلا شموع
بالنسبة إلى "مهرجانات بعلبك الدولية"، حمل قرار إلغاء المهرجان لهذا الصيف مرارة مضاعفة، إذ كان من المفترض أن يحتفل المهرجان الأقدم في لبنان بإطفاء شموع ذكرى سبعين عامًا على انطلاقته، في محطة استثنائية تختصر تاريخًا طويلا من الفن والثقافة والصمود. لكن الظروف الأمنية الصعبة التي يعيشها لبنان، ولا سيّما المخاطر التي تشهدها مدينة بعلبك ومحيطها، حالت دون إحياء هذه المناسبة.
وفي حديث مع "نداء الوطن"، أوضحت رئيسة "مهرجانات بعلبك الدولية" نايلة دو فريج أنّ قرار الإلغاء جاء احترامًا لدماء الضحايا، وحرصًا على سلامة الجمهور والفنانين والعاملين في المهرجان، مؤكدةً أنّ إقامة احتفال في هذه الظروف ليست خطوة مسؤولة ولا أخلاقية.
مهرجان صيف 2026 في بعلبك كان قد أُعدّ بالكامل، بحسب دو فريج، وكان من أبرز محطاته أمسية استثنائية يحييها المؤلِّف الموسيقي العالمي الحائز "جائزة الأوسكار" غبريال يارد، بمشاركة فرقة موسيقية واستعراضية ضخمة. لكن رئيسة المهرجان أعربت عن أملها في أن تُعاد برمجة هذه الأمسية في الدورات المقبلة من المهرجان إذا سمحت الظروف بذلك.
وعن إمكانية اللجوء إلى العروض الافتراضية كما حدث خلال فترة الإغلاق المرتبطة بانتشار فيروس كورونا، رأت دو فريج أن المقارنة ليست في محلّها، فخلال الجائحة كان الناس يتوقون إلى الفنون والأنشطة الثقافية رغم بقائهم في منازلهم، أما اليوم فإنّ هموم اللبنانيين مختلفة تمامًا، إذ ينشغل معظمهم بتأمين متطلبات حياتهم اليومية والبحث عن الأمان وسط حالة من القلق وعدم اليقين. لذا، فالفن، رغم أهميته، يتراجع أمام الأولويات المعيشية والإنسانية التي فرضتها الظروف الراهنة، على أمل انفراجة قريبة تتيح إعادة إحياء "مهرجانات بعلبك الدولية" في العام المقبل.
خيبة ولكن
حسمت لجنة "مهرجانات بيت الدين" من جهتها مصير حفلاتها لهذا العام، إذ أكدت عضو اللجنة التنفيذية في المهرجان العريق هلا شاهين لـ "نداء الوطن" أنّ قرار الإلغاء جاء نتيجة الظروف الأمنية الراهنة التي لا تسمح بإقامة حدث بهذا الحجم. وأشارت شاهين إلى أنّ هذه ليست المرة الأولى التي يُلغى فيها المهرجان بسبب الحروب أو الأوضاع الأمنية الصعبة التي شهدها لبنان على مرّ السنوات، موضحةً أنّ اللجنة المنظّمة كانت قد أعدّت برنامجًا فنيًّا حافلا يضمّ عددا من الفنانين والنجوم الأجانب، إلا أنّ كثيرين منهم كانوا يتابعون التطورات الأمنية بقلق ويتخوّفون من عدم استقرار الأوضاع.
ولا تقتصر "مهرجانات بيت الدين الدولية" عادةً على الحفلات الموسيقية فحسب، بل تشكّل أيضًا مساحة لفعاليات مرافقة، منها معارض للفن التشكيلي. غير أنّ العديد من الفنانين التشكيليين فضّلوا عدم المشاركة هذا العام بسبب حالة عدم اليقين السائدة وتوقّعات الحضور المحدود، بحسب شاهين، التي أكدت أنه رغم الخيبة التي خلّفها قرار الإلغاء، فإنّ الأمل لا يزال قائمًا بإحياء البرنامج الذي جرى التحضير له، إنما خلال العام المقبل، في حال تحسّنت الأوضاع الأمنية وعاد الاستقرار إلى البلاد، بما يسمح للمهرجان باستعادة دوره كواحد من أبرز المحطات الثقافية والفنية في لبنان.
انعكاسات سلبية
تداعيات إرجاء المهرجانات في لبنان أو إلغائها لا تقتصر على الجانب الثقافي فحسب، بل تمتد لتطال الواقعَين الاقتصادي والاجتماعي لمناطق بأكملها، كما هي الحال بالنسبة إلى "مهرجانات القبيات الدولية" في قضاء عكار، الذي ينتظر موسم السياحة والحفلات للإفادة من انتعاشة اقتصادية، وإن محدودة.
رئيسة لجنة "مهرجانات القبيات" سينتيا حبيش أبلغت "نداء الوطن" أنّ قرار الإلغاء لم يُحسم نهائيا بعد، رغم أنّ المعطيات الحالية ترجّح هذا التوجّه في ظل الظروف الأمنية الراهنة. وأشارت حبيش إلى أنّ أي قرار بإلغاء المهرجان ستكون له انعكاسات سلبية كبيرة على أبناء المنطقة، ولا سيّما أصحاب المؤسسات السياحية والتجارية الذين يعتمدون على الموسم الصيفي والزوّار الذين يستقطبهم من مختلف المناطق اللبنانية والخارج. علمًا أنّ هذا الحدث يكتسب أهمية خاصة بعدما صنّفته وزارة السياحة مهرجانًا دوليًّا منذ سنوات، ما جعله محطة ثقافية وسياحية بارزة على الخريطة اللبنانية.
وتشير حبيش إلى أنّ المسؤولية الملقاة على عاتق اللجنة المنظّمة ثقيلة، خصوصًا أنّ التحضيرات كانت قطعت شوطًا متقدِّمًا، إذ أُنجز البرنامج الفني وجرى التواصل مع الفنانين المشاركين. لكنّ هؤلاء أبدوا تفهُّمًا كاملا للظروف الاستثنائية التي يمرّ بها لبنان، ومنحوا المنظّمين مهلة إضافية لاتخاذ قرار أخير قبل توقيع العقود النهائية، على أمل أن تحمل الأيام المقبلة ما يسمح بإقامة المهرجان وعدم حرمان عكار من نافذتها الثقافية والسياحية الأبرز.
الحياة ستنتصر
"مهرجانات الأرز الدولية" كانت قد استشرفت منذ شهر آذار دقّة الأوضاع، فأعلنت حينها في بيان "تأجيل إقامة المهرجان المقرّر لهذا العام، مع وقف العمل ببيع البطاقات لصيف 2026"، مؤكدةً أنّ "هذا القرار نابع من مسؤوليتنا الوطنية والروحية تجاه أهلنا"، وواعدة باللقاء "مجدّدًا في صيف 2027، في ظروف أكثر أمنًا واستقرارًا". بدوره، أعلن "مهرجان إهدنيات الدولي" غيابه عن موعده السنوي، في وقت عُلم أن "مهرجانات بيبلوس الدولية" ربما تكتفي ببعض الحفلات المحلية صيفًا، في حال سمحت الظروف.
هكذا، إذا، تربح الحرب مرة جديدة جولة على الموسيقى والفرح، لكن روح المقاومة الثقافية في بلدنا ستنبثق مجدّدًا في الوقت المناسب، لتُلبس لبنان حلّة الحياة التي تليق به، والتي يتمسك بها لكونها الأبقى والمنتصرة دائمًا بعد كل أزمة.