في تسعينيات القرن الماضي، ومع سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي، خرج الفيلسوف الأميركي فرانسيس فوكوياما بكتابه الشهير «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» (The End of History and the Last Man) الصادر عام 1992، مقدّماً أطروحته المعروفة حول «نهاية التاريخ». فقد اعتقد آنذاك أن البشرية بلغت المحطة الأخيرة في تطورها الأيديولوجي، وأن الديمقراطية الليبرالية الغربية، بما تحمله من اقتصاد السوق والعولمة، تمثل الشكل النهائي للحكم البشري.
غير أن الشرق الأوسط كان يطبخ في أعماق كواليسه مشاريع سياسية مختلفة، تصنع من الهويات العقائدية والبنادق دليلاً على أن التاريخ أشبه بدوامة؛ فما إن ينتهي فصل من فصوله حتى يبدأ آخر، يغيّر جلده وألوان أعلامه وأسماء أبطاله، لكنه يبقى التاريخ نفسه بأوهامه وصراعاته المتجددة.
في قلب هذا المشهد برزت حركات إسلامية سياسية متطرفة كآثار جانبية لمشاريع أميركية نُفذت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لمحاصرة الاتحاد السوفيتي. وكان من أبرز تلك الظواهر تنظيم القاعدة في أفغانستان وتفرعاته في دول أخرى، والثورة الخمينية في إيران وما انبثق عنها من تنظيمات، أبرزها حزب الله في لبنان.
شكّلت هذه النماذج، من جهة، تحدياً لبعض ركائز «النظام العالمي الجديد»، ومن جهة أخرى وفّرت ذرائع ومبررات لتوسيع النفوذ الأميركي وإعادة رسم خرائط المصالح ومصادر الطاقة. ومع مرور العقود، وقعت هذه الحركات الإسلامية السياسية في فخ وهم جديد: وهم القدرة على إحياء أمجاد الإمبراطوريات الإسلامية من خلال فائض القوة العسكرية والعقائدية.
في الوقت الذي اعتقد فيه الغرب أن العالم يتجه نحو الترويض الاقتصادي، وأن الصراعات الكبرى ستتحول تدريجياً إلى طاولات التفاوض والأسواق والمصالح المتبادلة، اختارت «القاعدة»، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، نهج المواجهة المباشرة مع الغرب. في المقابل، أظهرت الخمينية مرونة سياسية لافتة؛ فبينما رفعت شعارات معادية للولايات المتحدة والغرب، بدت ممارساتها في العديد من المحطات متقاطعة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع مصالحهما الاستراتيجية، بدءاً من المساهمة في إضعاف النظام العراقي، وصولاً إلى أدوار معقدة رافقت احتلال أفغانستان والعراق. وهكذا قدّمت نفسها بوصفها «الاستثناء الثقافي والسياسي» القادر على الجمع بين الخطاب الثوري والبراغماتية السياسية.
في لبنان، تأسس حزب الله في ثمانينيات القرن الماضي من رحم الثورة الإسلامية في إيران وتحت مظلة الوصاية السورية، متخذاً من مقاومة الاحتلال الإسرائيلي غطاءً مشروعاً لشرعيته الشعبية، ومستلهماً عقائده وأدبياته من الفكر السياسي للثورة الإسلامية الإيرانية. ومع تطبيق اتفاق الطائف، عملت قيادة الحزب على بناء ما اصطلح على تسميته «مجتمع المقاومة»، وهو كيان موازٍ للدولة يتغذى مالياً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على مواردها، ويتغذى عقائدياً على منظومة دينية تقوم على الارتباط العضوي بالحرس الثوري الإيراني ومرجعية الولي الفقيه.
بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، ثم حرب عام 2006، نجحت الآلة الإعلامية للحزب في ترسيخ صورة مفادها أن العقيدة الدينية الصلبة قادرة على مواجهة التكنولوجيا العسكرية الحديثة. هذا التصور الأيديولوجي قاد حزب الله تدريجياً إلى ما يمكن تسميته بـ«وهم فائض القوة». فبعد سيطرته على القرار اللبناني إثر أحداث بيروت عام 2008، اندفع إلى ساحات متعددة خارج الحدود اللبنانية، من سوريا إلى العراق واليمن، مستنداً إلى مزيج من القوة العسكرية واليقين العقائدي، ومتصرفاً كقوة إقليمية تتجاوز في حساباتها حدود الجغرافيا وحقائق الاقتصاد وتعقيدات التوازنات الدولية.
وساد داخل أروقة القرار في الحزب اعتقاد بأن عودة المهدي المنتظر باتت وشيكة، وأن السلاح والدعم الإيراني كفيلان بفرض واقع جديد لا يمكن التراجع عنه، متناسياً أن موازين القوى ليست ثابتة، وأن ما يبدو فائض قوة في لحظة تاريخية معينة قد يتحول إلى عبء استراتيجي ثقيل عندما تتبدل الظروف وتتغير التحالفات.
ومع بداية حرب الإسناد، وقع الحزب في وهم أن قوته العسكرية تحصنه من قوانين التآكل السياسي التي تصيب كل سلطة مع مرور الزمن، وأن معتقداته الغيبية باتت على مشارف التحقق. إلا أن الوقائع الميدانية والسياسية أظهرت أن القوة، مهما بلغت، لا تستطيع إلغاء حقائق التاريخ أو تجاوز منطق التحولات الكبرى.
في المحصلة، يبدو أن الصراع في المنطقة ليس سوى صراع بين أوهام متقابلة. فقد توهّم الغرب يوماً أن الليبرالية تمثل المحطة الأخيرة للبشرية، كما توهّم حزب الله أن سلاحه وعقيدته يمنحانه حقاً حصرياً في توجيه التاريخ نحو نهايات يرغب بها.
غير أن الأحداث المتسارعة والتحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة تؤكد أن التاريخ لا يرحم الذين يعتقدون أنهم امتلكوا الحقيقة الكاملة أو القوة الأبدية. فالتاريخ ليس خطاً مستقيماً ينتهي عند فكرة أو عقيدة أو مشروع سياسي، بل هو حركة دائمة لا تتوقف، تسقط فيها أوهام المنتصرين كما سقطت أوهام المهزومين، وتبقى الحقيقة الوحيدة أن لا أحد يملك حق إعلان «نهاية التاريخ».