خرائط الأمن القومي للقوى الإقليمية تتشابك فوق الجغرافيا اللبنانية. والوطن الصغير يكاد يختنق في الزحام. فالرئيس رجب طيب أردوغان يضيف إلى "الوطن الأزرق" والقوقاز والبلدان المجاورة في حسابات الأمن التركي بُعدًا آخر بالقول إن أمن بلاده "يبدأ من حلب ودمشق وبيروت، لا من هاتاي" التي كانت لواء الإسكندرون السوري. وقادة إيران يؤكدون بالعمل على الأرض، لا فقط على الورق، أن أمن الجمهورية الإسلامية يبدأ من لبنان ولا ينتهي في اليمن. أما إسرائيل، فإن أمنها يبدأ من إقامة مناطق عازلة في الجنوب اللبناني والجنوب السوري ويمتد إلى حيث تصل قاذفاتها واغتيالاتها. وأما سوريا الجديدة، فإن رئيسها أحمد الشرع لم يعلن بعد خريطة أمنها القومي، لكن هواجس سوريا كانت منذ الخمسينيات تتركز على بيروت و"المؤتمرات الغربية" التي تُدار منها، وهي هواجس لم تتبدل بمقدار ما تنوعت حتى عندما كانت دمشق تحكم بيروت أيام الأسد الأب والابن.
وليس هذا الزحام الواسع في بلد ضيق سوى نكبة تتراكم فوق نكباته. فهو من سوء الحظ وقسوة الموقع الجغرافي وسط جمال الطبيعة. لا بل من علامات الأزمنة، بحيث لا تترك الصراعات الإقليمية مكانًا أو شيئًا للأمن القومي اللبناني.
حتى رهان الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام والأكثرية الشعبية على إنقاذ لبنان عبر مفاوضات واشنطن المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركا، فإنه يصطدم بحاجزين قويين: حسابات بنيامين نتنياهو وحسابات الحرس الثوري.
نتنياهو لا يريد حاليًا اتفاق سلام مع لبنان ولا اتفاقًا على ترتيبات أمنية في الجنوب اللبناني والجنوب السوري، لأن ذلك يسد الطريق أمامه على حرية الحركة كما على محاولاته المستمرة لمعاودة الحرب، وأقله إبقاء التوتر إلى ما بعد الانتخابات النيابية. والحرس الثوري يفقد خطابه حول "إزالة إسرائيل" ويخسر حركة الفصائل المسلحة المرتبطة به.
ذلك أن وقف النار الشامل مع البقاء في المكان يعني استمرار الاحتلال والسلاح غير الشرعي. ولا فرق سواء ارتبط وقف النار بمفاوضات واشنطن أو بالمفاوضات الأميركية - الإيرانية على "مذكرة التفاهم" وما بعدها خلال ستين يومًا. فالمطالبة اللبنانية بجدول زمني للانسحاب الإسرائيلي الكامل، تقابلها إسرائيل، ومعها أميركا، بشروط بينها أن يتولى الجيش اللبناني سحب السلاح من "حزب الله". وهذا ما يرفضه "الحزب" وتتخوف الدولة من التهديد بحرب أهلية أخطر من أي حرب خارجية. والدعوة الإيرانية إلى الانسحاب الإسرائيلي تصطدم بالأمر نفسه. وهي ليست فقط رافضة لسحب السلاح بل أيضًا مصرّة على تقوية دور السلاح و"الحزب" كجزء من قوة طهران.
ومن هذا رفض "الحزب" الالتزام بوقف النار إن لم يكن في إطار "مذكرة التفاهم"، وحماسته لربط لبنان بإيران. فلا شغل له بالمعنى الجيوسياسي والاستراتيجي من دون الارتباط بالجمهورية الإسلامية. ولا ارتباطه مجرد مسألة عسكرية وأمنية في الصراع مع إسرائيل، إذ هو واحد من أبعاد ولائه للولي الفقيه وعمله من أجل المشروع الإقليمي الإيراني، سواء زالت إسرائيل أو بقيت.
لكن ما تراه طهران ورقة قوة لها ولذراعها الأهم بين بقية أذرعها في المنطقة، تراه بيروت على حقيقته في موازين القوى والمصالح المحلية والإقليمية والدولية: مشكلة سلاح غير شرعي مانع لبناء مشروع الدولة، جعلها التدخل العسكري الإيراني مشكلة أكبر. والفارق كبير بين إنقاذ لبنان بكل طوائفه وإنقاذ "الحزب" مهما قاست بيئته.
و"الحرب الأهلية هي اسم مستعار للحرب التي لا تستطيع ربحها"، كما قال كريستوفر غيلبي من جامعة ديوك.