أُعلن عن توصل واشنطن وطهران إلى تفاهم من المقرر توقيعه يوم الجمعة، وسط تأكيدات من الجانبين الأميركي والإيراني بأن هذا التفاهم يتضمن بندًا يتعلق بوقف إطلاق النار في لبنان.
في أعقاب الإعلان، بدأ "حزب الله" تسليط الضوء على الدور الإيراني في فرض هذا البند، مقدمًا ذلك على أنه دليل على عدم تخلي طهران عن لبنان. ويأتي هذا الخطاب في سياق محاولة إعادة تعزيز صورة إيران داخل البيئة الشيعية، ولا سيما بعد تصاعد الانتقادات الموجهة إليها وإلى مشروع "وحدة الساحات"، إثر شعور شريحة واسعة من جمهورها بأنها تُركت وحيدة في مواجهة تداعيات الحرب.
إن إبراز "الحزب" لنجاح إيران في إدراج بند وقف إطلاق النار ضمن التفاهم لا يقتصر على تقديم طهران باعتبارها الجهة التي أسهمت في تحقيق مكسب للبنان، بل يندرج أيضًا في إطار تكريس نفوذها ودورها السياسي داخل الساحة اللبنانية. كما يهدف هذا الخطاب أيضًا إلى إظهار الشرعية اللبنانية في موقع العاجز عن تحقيق إنجازات عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، بما يضعف صورتها ودورها، ويقوّض مساعيها لاستعادة سيادتها على القرار السياسي والدبلوماسي، في مقابل تعزيز الانطباع بأن التأثير الإيراني يبقى العامل الأكثر حضورًا وفاعلية.
بانتظار ما ستكشفه الأيام التي تلي توقيع التفاهم، وما إذا كان البند المتعلق بوقف إطلاق النار في لبنان سيُترجم إلى خطوات عملية على الأرض تعكس التزامًا أميركيًا جديًا بالضغط على إسرائيل لضمان وقف العمليات العسكرية، أم أن إدراجه في التفاهم يهدف أساسًا إلى حفظ ماء وجه إيران و"حزب الله" أمام جمهورهما، وإبراز دور طهران في تحقيق هذا الإنجاز، بما ينعكس سلبًا على مسار التفاوض الذي تقوده الشرعية اللبنانية، ويضرب مسعى فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني.
وتستند هذه التساؤلات إلى تجربة سابقة، إذ إن اتفاق نيسان لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران كان قد تضمن بدوره شمول لبنان بمفاعيله. إلا أن الوقائع الميدانية أظهرت أن الهدوء الذي أعقب الاتفاق كان محدودًا زمنيًا، إذ توقفت العمليات العسكرية لبضعة أيام فقط قبل أن تعود إلى وتيرتها السابقة، وتكررت معاناة سكان الجنوب، إذ تم إخلاء البلدات والقرى مرة جديدة بعد عودة الأهالي إليها.
ثمة عامل أساسي آخر لا يمكن تجاهله عند تقييم فرص نجاح أي اتفاق يتضمن وقفًا لإطلاق النار في لبنان، ويتمثل في الموقف الإسرائيلي. فالسؤال الجوهري يبقى ما إذا كانت إسرائيل مستعدة للقبول بإنهاء الحرب قبل تحقيق أهدافها المرتبطة بتفكيك البنية العسكرية لـ"حزب الله" وإزالة أي تهديد لأمنها على الحدود الشمالية. مع الإشارة إلى أن هذه المقاربة محل توافق واسع يتجاوز الانقسامات السياسية التقليدية، إذ تشترك الحكومة والمعارضة والمؤسسة العسكرية، ومعها شريحة واسعة من الرأي العام الإسرائيلي، في اعتبار أن أي تسوية يجب أن تضمن إنهاء القدرات العسكرية لـ"حزب الله". ومن هنا، فإن مدى استعداد إسرائيل للالتزام بأي وقف مستدام لإطلاق النار سيبقى مرتبطًا بتقديرها لمدى تحقيق هذه الأهداف.
وعليه، فإن الحكم على جدّية البند المتعلق بلبنان لن يكون من خلال النصوص المعلنة أو المواقف السياسية، بل من خلال مدى انعكاسه على الواقع الميداني، وقدرته على فرض وقف فعلي ومستدام لإطلاق النار.