خلف الضجيج العسكري الذي يملأ سماء الشرق الأوسط، كانت واشنطن وطهران تنسجان بهدوء تفاهمات قد تعيد رسم مسار المرحلة المقبلة. فـ "مفاوضات إسلام آباد" التي أُنجزت مذكرتها أخيرًا لا تبدو محطة تفاوضية عابرة، بل محاولة لاحتواء انفجار إقليمي ودفع المنطقة إلى مسار تسويات مشروطة ومعقّدة. وبعد توقيع المذكرة، ستُطلَق مرحلة تمتد 60 يومًا من التفاوض حول أكثر الملفات حساسية، من البرنامج النووي الإيراني إلى العقوبات والأموال المجمّدة. أما الإجراءات العاجلة، من وقف العمليات العسكرية إلى فتح مضيق هرمز وتخفيف القيود عن الموانئ الإيرانية، فستدخل حيّز التنفيذ فور التوقيع، في مشهد يعكس حجم التحوّل الذي يجري خلف الكواليس، فيما يبقى السؤال: هل نحن أمام تسوية موَقتة أم هدنة على حافة مواجهة جديدة؟
ورغم الضجّة التي رافقت الإعلان عن مذكرة التفاهم، فإن مضمونها لا يؤشّر إلى اتفاق نهائي بقدر ما يعكس إدارة اضطرارية لأزمة مفتوحة تقوم على تقاطع مصالح متناقضة أكثر مما تقوم على تفاهم استراتيجي. فواشنطن تسعى إلى ضبط التوتر الإقليمي وتأمين الملاحة في مضيق هرمز وإبقاء الملف النووي الإيراني ضمن سقف تفاوضي قابل للرقابة، بينما يحاول النظام الإيراني التقاط أنفاسه عبر كسب الوقت وتخفيف الضغط الاقتصادي والسياسي المتصاعد على جبهته الداخلية.
اختيار صيغة "مذكرة تفاهم" بدلا من اتفاق ملزم يعكس حجم الهوة بين الطرفين وصعوبة الانتقال إلى تسوية شاملة في المدى المنظور. فهذه الصيغ تُعتمد عادة لإدارة النزاعات لا لحلّها، كونها أقل كلفة سياسيًا وأكثر قابلية للتعديل أو التراجع، ولا تخضع لمسارات قانونية ودستورية معقّدة. وعليه، فإن ما جرى لا يرقى إلى تسوية مستقرّة، بل إطار موَقت يجمّد بؤر التوتر ويفتح الباب أمام مفاوضات أثقل حول الملفات الجوهرية التي ستحدّد مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران، وموازين القوى في الإقليم.
وتتمحور مذكرة التفاهم حول ثلاثة عناوين أساسية: الملف النووي، حيث يلتزم النظام الإيراني بضبط مستويات التخصيب والامتناع عن أي خطوات تقرّبه من سلاح نووي، مقابل توسيع التعاون مع آليات الرقابة الدولية. والملف الاقتصادي، حيث لا يشمل التفاهم رفعًا فوريًّا للعقوبات. أما الملف الثالث، فيتصل بالأمن الإقليمي عبر ضبط التوتر في المنطقة ومنع استخدام مضيق هرمز كورقة تصعيد خلال فترة التفاهم.
لكن تداعيات المذكرة لا تقف عند حدود التفاوض الخارجي، بل تمتد إلى الداخل الإيراني حيث بدأت تُحدث اهتزازًا واضحًا في توازنات السلطة. فالجناح السياسي يحاول تقديم التفاهم كإنجاز نابع من "إدارة الصمود"، في حين تنظر إليه دوائر "الحرس الثوري" والتيار المتشدّد باعتباره تراجعًا أمام الضغوط الأميركية. وقد انعكس ذلك تصعيدًا في الانتقادات الموجّهة إلى وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وسط صراع داخلي لم يعد يتعلّق بنصّ المذكرة بل بمن يتحمّل كلفة القرار السياسي.
وفي موازاة ذلك، تتحرّك أجنحة مرتبطة بالتيار المحافظ المتشدّد، وفي مقدمها الدائرة المحيطة بسعيد جليلي و"جبهة الثبات"، لإبعاد مركز القرار عن تبعات هذا المسار عبر تحميل فريق التفاوض مسؤولية تجاوز "الخطوط الحمراء". في المقابل، يسعى مؤيدو التفاهم إلى الظهور كمنفّذين لتوجيهات عليا، في معادلة تنقل الكلفة تدريجيًا إلى قمة هرم السلطة، ما يجعل المذكرة عامل تفجير إضافي داخل بنية النظام لا أداة استقرار.
وفي المحصلة، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للأزمة بقدر ما تمثّل انتقالا منظّمًا إلى مرحلة جديدة منها. فهي تمنح واشنطن فرصة لاحتواء التصعيد، وتمنح طهران هامشًا محدودًا لالتقاط الأنفاس تحت ضغط اقتصادي وسياسي متصاعد. غير أن جوهر الملفات الخلافية لا يزال قائمًا، فيما يتعمّق الصراع داخل بنية النظام الإيراني نفسه. وما جرى في إسلام آباد ليس اتفاقًا ينهي المواجهة، بل هدنة موَقتة تؤجّل اختبار القوة بين واشنطن وطهران، بينما تبدو المعركة الأعمق قد بدأت بالفعل داخل النظام، لا خارجه.