الدكتور سايد حرقص

هل يُعيد ترامب في 2026 تدوير "خطة فورد" لعام 1976؟

4 دقائق للقراءة

​في السياسة الدولية لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة. ومن يقرأ تاريخ المشرق يدرك أن واشنطن كثيراً ما استعانت بقوى إقليمية لتنفيذ سياسات تعجز أو لا ترغب في تنفيذها مباشرة.

​بعد حرب 1967 دخلت العلاقات الأميركية ـ السورية مرحلة طويلة من القطيعة والعداء السياسي. لكن مع بدء تنفيذ الفلسطينيين لخطة الوطن البديل في لبنان بدعم عربي ودولي عام 1975، وجدت إدارة الرئيس الأميركي جيرالد فورد ووزير خارجيته هنري كيسنجر نفسها أمام خشية إسرائيل من قيام كيان فلسطيني مسلح مدعوم مالياً من العرب وتسليحياً من الاتحاد السوفيتي على حدودها الشمالية.

​تكشف دراسات أكاديمية عديدة ووثائق أميركية وإسرائيلية رفعت عنها السرية أن واشنطن اعتبرت دخول الجيش السوري إلى لبنان سنة 1976 جزءاً من الحل الذي يخدم مصالحها الإقليمية ومصالح إسرائيل الأمنية. وقد تناولت هذه المسألة أبحاث أكاديمية عديدة، من بينها دراسة المؤرخ ديفيد وايت حول سياسة كيسنجر في المشرق، والتي تشير إلى أن الإدارة الأميركية رأت في الجيش السوري القوة الوحيدة القادرة على وقف اندفاعة منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة التوازن داخل لبنان.

​في عام 1976، جرت سلسلة من الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن ودمشق وتل أبيب، أفضت إلى ما عرف لاحقاً بـ«الخطوط الحمراء». وبموجب هذه التفاهمات السرية، سُمح لسوريا بإدخال قواتها إلى لبنان، مقابل ضمان حماية أمن إسرائيل. وبالفعل دخل الجيش السوري لبنان عام 1976، فيما اكتفت واشنطن بالمراقبة السياسية، وامتنعت إسرائيل عن المواجهة العسكرية المباشرة.


​رغم عدم وجود اتفاق مكتوب أو معاهدة رسمية منشورة، فإن عدداً متزايداً من الباحثين يعتبر أن تلك التفاهمات شكلت عملياً صفقة سياسية غير معلنة: تمنح سوريا دور القوة المهيمنة في لبنان، مقابل قيامها باحتواء منظمة التحرير الفلسطينية ومنع انهيار التوازنات التي كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تعتبرانها ضرورية لاستقرار المنطقة وفق مصالحهما.


​بعد خمسين عاماً تقريباً، يعود السؤال نفسه بصيغة جديدة. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن دعمه للرئيس السوري أحمد الشرع، وأكد أنه شخصياً ساهم بإيصاله إلى الحكم ضمن تفاهمات إقليمية واسعة، خصوصاً مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. من هنا يبرز التشابه التاريخي اللافت: ففي عام 1976 كان المطلوب من دمشق التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية التي اعُتبرت آنذاك التحدي الأكبر للنظام الإقليمي القائم. أما اليوم، فإن حزب الله يمثل بالنسبة لواشنطن وتل أبيب التحدي العسكري والسياسي الأكثر إلحاحاً في لبنان.


​صحيح أن الظروف تغيرت جذرياً، وأن سوريا الشرع ليست سوريا الأسد، كما أن حزب الله ليس منظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن منطق السياسة الدولية يبدو مألوفاً: إعادة تأهيل سلطة سورية جديدة ومنحها دوراً إقليمياً متقدماً مقابل مساهمتها في معالجة ملف تعتبره واشنطن وإسرائيل أولوية استراتيجية.


​في عام 1976 كان المقابل العملي اعترافاً أميركياً وإسرائيلياً بالدور السوري المهيمن في لبنان لعقود طويلة. أما اليوم، فهل يكون المقابل رفع العقوبات بالكامل؟ أم تثبيت شرعية النظام السوري الجديد؟ أم منح دمشق دوراً خاصاً في إعادة رسم التوازنات اللبنانية؟ أم أننا أمام تفاهمات تركية - إسرائيلية برعاية أميركية تعيد تشكيل خريطة النفوذ في المشرق كله؟

​قد لا يكون ترامب بصدد استنساخ خطة فورد حرفياً، لكن التاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى نادراً ما تتخلى عن الأدوات التي نجحت سابقاً. ولذلك يبقى السؤال مشروعاً: هل نشهد نسخة محدثة من تفاهمات 1976، أم أن لبنان يقف هذه المرة أمام معادلة مختلفة تماماً؟ الأيام المقبلة وحدها ستجيب.