جوزيف حبيب

الأيّامُ دولٌ

3 دقائق للقراءة
تبقى الكلمة الأخيرة للشعب الإيراني (أ ف ب)

الرهان على إمكانية قيام النظام الإيراني بتغيير نهجه خاسر حتمًا. لم تُشيَّد الجمهورية الإسلامية لبناء دولة طبيعية، بل لتصدير الثورة الإسلامية. أصبحت طهران، بعد استيلاء الملالي عليها، عاصمة مشروع أيديولوجي عابر للحدود السياسية أكثر منها عاصمة للدولة الإيرانية. هذا الواقع لن يتغيّر بتبدّل الوجوه داخل النظام، وإنما بسقوطه فحسب. إن أي حديث عن تغيير طرأ على طبيعة نظام آيات الله، ليس سوى تمنيات أو بروباغندا لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة. وتاليًا، لا مذكرة تفاهم ولا حتى اتفاق نهائيّ مع الولايات المتحدة سيجعلان إيران تتصرّف كدولة عاقلة. فكلّ شيء يرخص في سبيل الغاية الأسمى بنظر أصحاب "القضايا المقدّسة".

تحترف طهران لعبة شراء الوقت منذ زمن بعيد. صحيح أن استراتيجية "حياكة السجّاد" تلقّت صفعات لاذعة بعد هجوم 7 أكتوبر، إلّا أن النظام الإيراني تمكّن حتى اللحظة من الحفاظ على وجوده بحكم عقود من الجهود الدؤوبة لبناء هيكل متراصّ ومعقّد يصعب هدمه. تستطيع إيران "الانحناء نوويًّا" ريثما يمرّ عهد ترامب أو غيره. لكن الإرادة موجودة والقدرة كذلك، والأيام كفيلة بإعادة إحياء ما دُفن، هكذا يُفكّر ملالي طهران. يتباهى قادة إيران بامتلاكهم "سلاحًا نوويًّا" من نوع آخر، ألا وهو مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتجارة الطاقة العالمية، حيث يسعون إلى شرعنة تحصيل "خوّة عبور" بذريعة إدارة الخدمات البحرية عبر المضيق.

خرجت إيران من الحرب منهكة ومعطوبة، بيد أنها غدت أكثر جرأة في تحدّي القانون الدولي. "لم يعد لدينا ما نخسره ونعمل على قطف ثمار تضحياتنا"، بهذه العقلية تُقارب القيادة الإيرانية الاستحقاقات التي تواجهها. ما كانت طهران تتفادى وقوعه قد حصل في "حرب الاثني عشر يومًا" والحرب الأخيرة، لهذا لم تعد تخشى المواجهة المباشرة. اختبرت إيران الصدام مع أقوى قوّة على وجه الأرض، وتعتبر نفسها اجتازت التجربة بنجاح. لقد صمد النظام، هذا كلّ ما يهمّ غلاة المؤدلجين الذين لا يقيمون اعتبارًا للخسائر الفادحة. القضية أغلى من أرواح أصحابها، الجميع يموت فداءً لها. يُزرع هذا الفكر النتن في أدمغة صغارهم منذ نعومة أظافرهم، ما يُعسّر عملية تحريرهم منه.

يحتفل أنصار النظام وأذرعه بـ "انتصار فوق الركام". ستفاوض طهران على ملفّها النووي، مقابل تصدير نفطها وحصولها على أموالها المجمّدة والرفع التدريجي للعقوبات كافة عن كاهلها، وصولا إلى وضع خطة لإعادة إعمار الجمهورية الإسلامية وتنمية اقتصادها المتهالك. مَن سيستفيد من هذه الأموال، إذا بلغنا تلك المرحلة؟ طبعًا، "الحرس الثوري" ووكلاؤه. سيستخدم "الحرس" هذه الأموال لترميم شرعية النظام الداخلية الملطّخة بدماء شابات وشباب إيران الأحرار. على كلّ حال، مسار التفاوض سيكون متشعّبًا ومليئًا بالألغام القاتلة. في خضمّ هذه "الأجواء المنافقة"، تقف فتاة إيرانية سافرة في وسط طهران لتتأمّل بسخرية لوحة دعائية ضخمة للنظام، ولسان حالها يقول: "لن تتحرّر بلادي سوى بسواعد أبنائها... الأيّامُ دولٌ".