أقرّ المشرّعون الكوبيون الخميس نحو 180 إصلاحًا تاريخيًا من إصلاحات السوق الحرّة تهدف إلى إنقاذ الجزيرة الشيوعية من أزمة إنسانية واقتصادية حادة. وكشف رئيس الوزراء مانويل ماريرو، في خطاب بارز أمام الجمعية الوطنية، 176 إجراء يهدف إلى تقليص دور الدولة في الاقتصاد وجذب الاستثمار في كلّ شيء من المصارف إلى السياحة والزراعة. وبموجب الإصلاحات، لم يعد المستثمرون الأجانب ملزمين بتأسيس مشاريع مشتركة مع الدولة، وستُرخَّص المؤسسات الخاصة الكبيرة، وسيُسمح للمستثمرين الكوبيين والأجانب على السواء بالاستحواذ على حصص في الشركات الحكومية. وتأتي هذه التغييرات الهائلة في الوقت الذي تمارس فيه أميركا ضغوطًا لا هوادة فيها على كوبا، مع حديث الرئيس ترامب علنًا عن الاستيلاء على الدولة الكاريبية الواقعة على بُعد 145 كلم من فلوريدا.
اعتُمدت الإصلاحات الكوبية بإجماع النواب، برفع الأيدي، في جلسة انتهت بترديد الرئيس ميغيل دياز كانيل شعار كاسترو الثوري الشهير: "الاشتراكية أو الموت". ولم يحدّد ماريرو إطارًا زمنيًا لتنفيذ الإصلاحات، لكن دياز كانيل كان قد شدّد الأربعاء على الحاجة إلى "تغييرات عاجلة" لتفادي الانهيار الاقتصادي. وفيما درجت هافانا دائمًا على إلقاء اللوم في معاناتها على الحظر التجاري الأميركي المستمرّ منذ أكثر من ستة عقود وعلى الحصار النفطي الأخير، أقرّ دياز كانيل بوجود "عقبات لا تأتي من الخارج ولا من الحصار". وبلغة صريحة على غير العادة، انتقد "البطء والبيروقراطية والقواعد التي تعرقل من يريدون الإنتاج"، فضلا عن "قرارات أرجأناها". وأصرّ على أن الحكومة "لا تفعل ذلك بسبب ضغط اليانكيز"، بل من أجل "الحفاظ" على الاشتراكية.
وستسمح الإصلاحات للكوبيين المقيمين في الجزيرة وخارجها بشراء عقارات مملوكة للدولة، "كلّ حالة على حدة"، وبتطوير العقارات في مناطق ذات إمكانات سياحية عالية. وسيُشجَّع الاستثمار الخاص في القطاع المصرفي، وسيُسمح للمواطنين والشركات بفتح حسابات بالعملة الأجنبية للمرة الأولى. ولن تعود التحويلات المالية من الكوبيين في الخارج، وهي شريان حياة لكثيرين، تمرّ حصرًا عبر الدولة، كما سيُسمح للصرّافين أيضًا بالعمل بشكل خاص.
وتشكّل الإصلاحات، غير المسبوقة منذ الثورة، ابتعادًا جذريًّا عن الأرثوذكسية الاشتراكية لدولة الحزب الواحد. وأوضح الخبير الاقتصادي الكوبي المقيم في لندن دانيال تورالباس لوكالة "فرانس برس" أن "هذه ليست تغييرات تجميلية، بل تمثّل تغييرًا جذريًّا. فعلى سبيل المثال، لن تكون هناك بعد الآن شركات صغيرة ومتوسطة فقط، بل سيكون من الممكن تأسيس مؤسسة خاصة كبيرة في كوبا"، إلّا أنه اعتبر أن كوبا "لم تفتقر إلى الإعلانات في السنوات الأخيرة، بل ما كان مفقودًا هو التنفيذ". وأعرب اقتصاديون استشارتهم الوكالة عن تشكيكهم في قدرة كوبا على تنفيذ إصلاحات بعيدة المدى كهذه بسرعة، في ظلّ اقتصاد متداعٍ وانهيار في الخدمات الاجتماعية.
وتعتمد قابلية الإصلاحات للتطبيق أيضًا على دعم أميركا، إذ شدّد تورالباس على الحاجة إلى تطبيع العلاقات بين واشنطن وهافانا، موضحًا أن "الإصلاحات ضرورية، لكن لكي يكون لها أثر فعلي، على كوبا أن تحلّ مسألة علاقاتها مع أميركا، التي أصبحت العامل الرئيسي في تعافي الجزيرة". وتساءلت تماريس باهاموندي، وهي خبيرة اقتصادية كوبية في الجامعة الأميركية في واشنطن: "هل سيرغب الكوبيون في الخارج أو المستثمرون الأجانب فعلا في وضع أموالهم في كوبا، في ظلّ انعدام الثقة بالمؤسسات الكوبية على صعيد التزاماتها الضريبية والمالية؟"، مشيرة إلى "نزف رأس المال البشري" من الجزيرة، مع فرار أكثر من مليوني شخص إلى الخارج هربًا من الأزمة خلال السنوات الخمس الماضية.
وأبدى كثير من السكان المحلّيين المحبطين، المنهكين بعد أسابيع من انقطاع الكهرباء الذي يؤدّي إلى تعفّن الطعام في حرارة تبلغ 40 درجة مئوية، عدم اكتراثهم بالإصلاحات، معتبرين أنها قليلة جدًّا ومتأخرة جدًّا. لكن قطاع الأعمال الصغيرة المتنامي في البلاد رحّب بالتغييرات. وقال ماريو غونزاليس، مدير مطعم في البلدة القديمة التاريخية في هافانا، وهو يأمل في انتعاش السياحة، إن هذه التغييرات "تمنح أملا". ولم ترسُ في كوبا منذ بداية العام سوى ناقلة نفط واحدة، آتية من روسيا. وأصبحت انقطاعات الكهرباء، التي تستمرّ أحيانًا أكثر من 30 ساعة، أمرًا معتادًا، فيما تعاني البلاد نقصًا في الغذاء والوقود ومياه الشرب والدواء. وحذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن "الأطفال يموتون" في كوبا بسبب نقص الإمدادات الطبية والأدوية.