داود رمال

لبنان حتى تشرين: حرب بلا نهاية قريبة أم إعادة رسمٍ للمنطقة تحت النار؟

5 دقائق للقراءة
المزاج الإسرائيلي يعتبر إنهاء التهديد القادم من الجبهة الشمالية أولوية

تتقاطع معلومات دبلوماسية من عواصم غربية وشرقية على توصيف المرحلة الحالية في لبنان بأنها من أكثر المراحل دقة منذ بدء المواجهة المفتوحة على الجبهة الجنوبية، ليس لأن الحرب تتجه بالضرورة إلى توسّع شامل، بل لأن القرار الدولي والإقليمي لا يبدو متجهًا أيضًا إلى إقفالها سريعًا. ووفق هذه القراءة، فإن الأشهر الممتدة حتى تشرين الثاني المقبل، موعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي، ستبقى محكومة بمنطق إدارة الصراع لا حسمه، وبمنع الانهيار الكامل من دون الوصول إلى تسوية نهائية.

في التقدير الدبلوماسي المتداول، لا يظهر أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وائتلافه الحاكم يمتلكان حافزًا سياسيًا لإنهاء المواجهة مع لبنان خلال هذه الفترة. فالحرب، بمعناها السياسي الداخلي، تحوّلت إلى عنصر أساسي في إعادة إنتاج التوازنات داخل إسرائيل بعد الأزمة التي سبقت الحرب وما تبعها من تحولات داخل المجتمع الإسرائيلي. وتعتبر دوائر متابعة أن المزاج الإسرائيلي العام لا يزال يميل إلى اعتبار أن إنهاء التهديد القادم من الجبهة الشمالية يشكّل أولوية إسرائيلية، وأن أي تراجع قبل تحقيق نتائج ملموسة قد يُقرأ كفشل سياسي أكثر منه قرارًا أمنيًا.

ضمن هذا السياق، ترى هذه الأوساط أن الحكومة الإسرائيلية ستستمر في الاستثمار في ملف الأمن الحدودي باعتباره ورقة انتخابية وسياسية، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من الخطاب الإسرائيلي الحالي يقوم على فكرة عدم العودة إلى ما قبل الحرب. وهذا يعني أن احتمالات التهدئة الواسعة قبل الاستحقاق الانتخابي تبقى محدودة، وأن أي تفاهمات قد تحصل ستكون تقنية أو مرحلية أكثر مما ستكون سياسية ونهائية.

وفي المقابل، هناك نقطة تعتبرها إسرائيل غير قابلة للتفاوض أو التراجع، وهي أن الدولة اللبنانية، بمؤسساتها الرسمية، تتحمل المسؤولية الكاملة عن الأمن على أراضيها وعن منع أي تهديد عسكري أو أمني يطال إسرائيل انطلاقًا من لبنان. وهذه المقاربة لا ترتبط فقط بالوضع الحالي، بل أصبحت جزءًا من الرؤية الإسرائيلية لأي ترتيبات مستقبلية، سواء جرت تحت مظلة تفاهمات دولية، أو تطبيق موسّع للقرارات الدولية القائمة، أو ترتيبات أمنية جديدة.

ومن هنا، لا يُقرأ الضغط الإسرائيلي على لبنان باعتباره موجّهًا فقط إلى «حزب الله»، بل إلى الدولة اللبنانية نفسها، بهدف فرض انتقال تدريجي من معادلة تعدد مراكز القرار الأمني إلى معادلة احتكار الدولة لقرار القوة والسيادة. ولذلك، فإن أي نقاش مستقبلي حول التهدئة لن يكون محصورًا بوقف العمليات العسكرية، بل سيتصل ببنية الأمن اللبناني نفسها.

أما على المستوى الإقليمي، فتشير القراءة الدبلوماسية إلى وجود فصل نسبي بين المسار اللبناني والمسار الإيراني. فوفق هذا التصور، فإن التفاهم الأميركي – الإيراني لا يعني تلقائيًا انتقال لبنان إلى مرحلة التهدئة، إذ إن الحسابات المتعلقة بإيران تخضع لعوامل أوسع تتصل بالاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي والاعتبارات الداخلية الأميركية، بينما بات الملف اللبناني يُنظر إليه كملف ذي خصوصية أمنية واستراتيجية منفصلة نسبيًا.

وفي هذا الإطار، تعتبر الأوساط نفسها أن هناك تقاطعًا أميركيًا – إسرائيليًا واسعًا بشأن مستقبل الوضع اللبناني، وإن اختلفت اللغة السياسية أو أدوات التنفيذ. فالهدف الاستراتيجي المشترك، وفق هذا التصور، يتمثل في الوصول إلى واقع يمنع وجود أي تهديد عسكري مستقل على الحدود الشمالية لإسرائيل، ويؤدي إلى تعزيز حصرية القرار الأمني والعسكري بيد الدولة اللبنانية.

لكن هذا المسار، بحسب القراءة نفسها، يواجه تعقيدات داخلية وإقليمية كبيرة، لأن أي تغيير جذري في المعادلات اللبنانية لا يمكن عزله عن التوازنات السياسية والطائفية والاقتصادية التي حكمت البلاد لعقود. لذلك، فإن الضغوط المتوقعة قد تتخذ أشكالا متعددة؛ أمنية ودبلوماسية ومالية (عقوبات على قيادات وكيانات) وسياسية، بالتوازي مع استمرار استخدام عامل الوقت كأداة ضغط.

وفي موازاة البعد الأمني، تبرز خلفية أخرى أقل ظهورًا وأكثر تأثيرًا، وهي البعد الاقتصادي – الطاقوي. فاستقرار شرق المتوسط تحوّل إلى جزء من شبكة مصالح دولية تتصل بممرات الطاقة وخطط الاستثمار والربط الإقليمي. وفي هذا الإطار، يكتسب لبنان أهمية جغرافية تتجاوز حجمه المباشر، باعتباره يقع ضمن البيئة المتصلة بمشاريع الطاقة والبنى التحتية المستقبلية بين شرق المتوسط وأوروبا.

انطلاقًا من ذلك، ترى مصادر متابعة أن أي وقف إطلاق نار شامل ونهائي لن يُمنح قبل وجود ضمانات عملية وآليات تنفيذ واضحة تضمن الاستقرار الأمني على المدى الطويل، لأن المطلوب لم يعد فقط وقف العمليات العسكرية، بل إنتاج بيئة مستقرة قابلة للاستثمار سياسيًا واقتصاديًا.

لذلك، فإن الرهان داخل بعض الأوساط اللبنانية على نشوء تباعد جوهري بين واشنطن وتل أبيب بشأن لبنان لا يجد مؤشرات عملية كافية. فقد تظهر اختلافات في إدارة التفاصيل أو توقيت الخطوات أو حدود الضغوط، لكن الاتجاه العام يبقى قائمًا على قاعدة التحالف الاستراتيجي العميق بين الطرفين. ومن هنا، تبدو التحديات اللبنانية المقبلة مرتبطة بقدرة الدولة على بناء مقاربة واقعية للمرحلة المقبلة، تقوم على قراءة موازين القوى والتحولات الإقليمية كما تتشكل فعليًا، لا كما تُرسم في الرهانات السياسية الداخلية.