في زمن الحرب والدمار، تواصل الحكومة اللبنانية مراكمة إنجازات عجزت عنها حكومات كانت للميليشيا فيها "الأثلاث المعطّلة". عشرات القوانين والتعيينات والهيئات الناظمة شقّت طريقها، وتجاوزت العقبات التي كانت الميليشيا تفتعلها. في حزيران الجاري، شهدنا انطلاق مطار القليعات، ومرفأ جونية، وشركة طيران جديدة منخفضة الكلفة. السعودية أعادت فتح أسواقها أمام الصادرات، والقطاع الخاص، الذي لا يستسلم بين هدنة وأخرى، يتحفّز لوثبة جديدة في السياحة والصناعة.
في مقابل هذا الإصرار، تواصل الميليشيا التعبئة السياسية والإعلامية للانقضاض على الحكومة في لحظة ما. أصحاب المنطق يستبعدون إقدام الميليشيا على تنفيذ عصيان عسكري، لكن هناك رأيًا آخر يقول إن المنطق لا يسري على هذه الجماعة، وإلا لكانت أحجمت عن افتعال حربَي إسناد غزة وإيران. الميليشيا لن تتخلى عن سلاحها، ولو عُقدت مئة طاولة حوار، ولو دُمّرت مئة بلدة أخرى، ولو وصل عدد القتلى إلى عشرة آلاف.
المتاح هو أن تبدأ الدولة قضم الدويلة بإجراءات عسكرية موضعية، لأن الثمن اليوم أقل من أثمان الغد. وكل تأخير سيجعلها محاصرة عسكريًا بين إسرائيل والفصيل الإيراني. ماذا يمنع إعلان بيروت الكبرى، من خلدة إلى نهر الكلب، منطقة نموذجية لا "تجريبية"؟ هل نجح قرار نزع السلاح من بيروت الإدارية؟ الدولة لا تأتي على ذكر هذا الأمر، والمواطن لديه شكوك. مفاوضات واشنطن المباشرة محورها الجنوب، فكيف يمكن أن تستعيد الدولة جنوبها إذا بقيت ضاحية بيروت الجنوبية خارج سيادتها؟
إذا لم تبادر الدولة إلى خرق سياسي وعسكري، فستكون صورة لبنان بعد أشهر، في نظر المجتمع الدولي، دولة فيها ثلاث مناطق أمنية: واحدة لإسرائيل، وواحدة للميليشيا، وواحدة للشرعية. وستبدو المحافظات، في الواقع السياسي، مقتطعة، ولن تسيطر الدولة فعليًا إلا على الشمال، وجزر جغرافية في بيروت وجبل لبنان والبقاع. هناك خطوط تماس نفسية قائمة بين المناطق، وإن كانت خطوط التماس العسكرية الآنفة الذكر مبهمة.
ماذا نقول للسيدة التي تسهر قرب نافذتها لتتحرّى من يدخل إلى البناية تحت جنح الليل؟ أمس، سمعَتْ كبير المسؤولين في إيران، محمد باقر قاليباف، يقول إن الميليشيا خسرت في لبنان أربعة آلاف قتيل "دفاعًا عن مصالح إيران الإسلامية". وسمعَتْ المفتي الجعفري الممتاز يطالب بتغيير الحكومة لأننا "أمام شرق أوسط بشروط إيرانية". خطوط التماس الجديدة ليست فقط بين منطقة وأخرى؛ لقد انتقلت إلى ما بين طابق وطابق في بناية على مشارف الضاحية.
ويجب أن نعترف بأن الحذر من مستأجر شيعي، قد لا يكون له ناقة ولا جمل في مشروع الميليشيا الانتحاري، لم يعد ناجمًا عن الخوف من استهداف إسرائيلي فحسب، بل أُضيف إليه الخوف من استهداف نمط حياة ونسيج اجتماعي، والأهم اغتيال المستقبل بخناجر عقائد الماضي التي تريد العودة ألفًا وأربعمئة عام إلى الوراء. والعودة إلى الوراء وصفة تخلّف لا لبس فيها. كل هذه الأمور تتفاعل فيما بينها، والدولة مطالبة برؤية خلّاقة وحاسمة، قبل أن تتآكل الإنجازات وتصبح بلا معنى.