رفيق خوري

لبنان "الإيراني" نهاية لا بداية

3 دقائق للقراءة
التحدي الأكبر هو نجاح لبنان في إنجاز الانسحاب الإسرائيلي وسحب السلاح غير الشرعي (رويترز)

ربط لبنان بالجمهورية الإسلامية ليس مسألة استجدت في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران. والحرص على ارتباط وقف النار بين "حزب الله" وإسرائيل بـ"مذكرة التفاهم" بين أميركا وإيران ليس مجرد مسألة تثبيت للهدنة. فالربط أخذت صناعتُه عقودًا، على الطريقة الإيرانية في حياكة السجاد. والارتباط بهدنة شاملة هدفه وقف التشويش وخطر أية خربطة للتفاوض الأميركي - الإيراني على الاتفاق النهائي، تمامًا كما فعل الرئيس جيمي كارتر في كامب ديفيد عام 1978، حين أراد "إبقاء الغطاء على لبنان، الذي كان وعاء يغلي، حتى لا يفسد الطبق الرئيسي، وهو السلام الشامل"، حسب رواية السفير ديفيد هيل في كتاب "الدبلوماسية الأميركية تجاه لبنان".

لكن الربط الذي اكتمل عسكريًا يستحيل أن يكتمل سياسيًا في مواجهة موقف رسمي وشعبي لبناني مدعوم عربيًا ودوليًا. وإذا كانت الحرب قد كشفت لطهران أهمية الجبهة "اللبنانية" عبر حرب الإسناد التي بدأها "حزب الله" بقيادة الحرس الثوري، فإن مفاوضات ما بعد الحرب تقود واشنطن إلى استكشاف أهمية الإصرار على إغلاق هذه الجبهة.

وليس من السهل على الرئيس دونالد ترامب أن يلعب الورقة اللبنانية على الوجهين. فهو، من جهة، يبدو كأنه يسلّم بأن تفاوض إيران عن لبنان من خلال دور "حزب الله" في حرب الإسناد ورفضه للمفاوضات المباشرة في واشنطن بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. وهو، من جهة أخرى، يريد ما هو أكثر من نزع سلاح "الحزب"، وينتقد تردد أو عجز الحكومة اللبنانية عن سحب السلاح غير الشرعي، ويلوم نتنياهو لأنه فشل في القضاء بسرعة على "الحزب"، ويطلب من الرئيس السوري أحمد الشرع الدخول إلى لبنان لإكمال المهمة، ويصر على أن تبدأ مفاوضات واشنطن بنوع من اتفاق أمني وصولا إلى اتفاق سلام.

من المبكر رسم السيناريوهات حول انقلابات موازين قوى محلية وإقليمية ودولية متغيرة في حرب غير حاسمة. ولا أحد يعرف مدى حظوظ التوصل إلى الوقف النهائي للحرب في مفاوضات سويسرا، ولا إمكان عودة الحرب بعد الخريف. فادعاء الطرفين نصرًا حاسمًا هو قراءات ذاتية في المرآة. وتصوّر "حزب الله" أن وضعه صار ثابتًا في لبنان المرتبط بإيران، التي زادت قوتها الجيوسياسية والاستراتيجية، هو إنكار للنكبة التي قادتنا إليها حروبه. فلا الارتباط بإيران هو قوة للبنان، بل نقطة ضعف وخطر، وإن أعطى "الحزب" جرعة قوة على أرض دمار هائل. ولا الفشل الأميركي في إسقاط النظام الإيراني هو نصر كامل وثابت له في مرحلة المواجهة مع واقع ما فعلته الحرب. وإذا كان بقاء النظام هو "أولوية الأولويات"، كما قال الإمام الخميني، فإن أكثر ما يخيف الحرس الثوري بعد خسارة سوريا هو خسارة لبنان.

ومن السهل الجدل حول الأفضلية لمفاوضات واشنطن أو مفاوضات إسلام آباد بالنسبة إلى وقف النار في لبنان. لكن الامتحان الحقيقي هو في القدرة على ضمان الانسحاب الإسرائيلي من الأرض التي جرى احتلالها خلال حرب الإسناد ومواجهة طهران للحرب الأميركية - الإسرائيلية. والتحدي الأكبر أمام الجميع هو نجاح لبنان في إنجاز الانسحاب الإسرائيلي وسحب السلاح غير الشرعي، والوصول في مفاوضات الستين يومًا إلى "الإنهاء الدائم للحرب في جميع الجبهات"، حسب "مذكرة التفاهم". وكما في مفاوضات واشنطن، كذلك في مفاوضات سويسرا، "الدبلوماسية لا تعمل في فراغ، ولا تُصنع ببلاغة المشاركين، بل بتجميع توازن بين المخاطر والحوافز"، في رأي كيسنجر.