في وقت يتصاعد فيه النقاش الدولي حول مستقبل الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، تبرز للمرة الأولى منذ سنوات مسألة التعويضات كجزء من البحث السياسي والقانوني المرتبط بتداعيات الحروب والصراعات التي شهدتها المنطقة. فمع الحديث عن إمكان الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة في إطار تفاهمات دولية وإقليمية أوسع، بدأت دول وجهات متضررة تتحرك لحفظ حقوقها والمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بها.
وقد تركز هذا النقاش بصورة خاصة حول عدد من دول الخليج العربي، ولا سيما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، التي تعرضت خلال السنوات الماضية لهجمات استهدفت منشآت حيوية وبنى تحتية ومرافق اقتصادية. كما برزت في الولايات المتحدة وأوساط سياسية وقانونية غربية دعوات إلى دراسة إمكان تخصيص جزء من الأصول الإيرانية المجمدة لتعويض الدول المتضررة من النزاعات المرتبطة بإيران أو بحلفائها الإقليميين.
وفي المقابل، ترفض الجمهورية الإسلامية الإيرانية أي مقاربة تقوم على استخدام أموالها المجمدة لدفع تعويضات، وتعتبر أن هذه الأموال ملك للشعب الإيراني ويجب الإفراج عنها بالكامل، بل تذهب أبعد من ذلك بالمطالبة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بها نتيجة العقوبات والحرب الأخيرة.
ورغم عدم وجود أي قرار دولي أو آلية قانونية نهائية تحدد مصير هذه الأموال أو الجهات التي قد تستفيد منها، فإن التجارب الدولية السابقة تؤكد أن الدول التي تبادر مبكراً إلى توثيق خسائرها وتسجيل مطالباتها القانونية تكون أكثر قدرة على الدفاع عن حقوقها عندما تبدأ المفاوضات السياسية أو القضائية أو المالية المتعلقة بالتعويضات.
ومن هنا يبرز السؤال اللبناني: كيف يمكن للبنان أن يطالب المجتمع الدولي والدول العربية والصناديق الدولية بتمويل إعادة الإعمار وتعويض المتضررين، فيما تمتنع الدولة اللبنانية عن المطالبة بالتعويض من الجهة التي يعتبر كثيرون أنها تتحمل مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة عن جزء أساسي من الأسباب التي أدت إلى اندلاع الحرب وتوسّعها؟
فإذا كانت دول أخرى متضررة من الصراع نفسه تتحرك أو تدرس التحرك للمطالبة بحقوقها وتعويضاتها، فمن الطبيعي أن يسعى لبنان أيضاً إلى حفظ حقوقه الوطنية. إذ يصعب منطقياً وسياسياً مطالبة دول مانحة أو دول متضررة أصلاً بالمساهمة في إعادة إعمار لبنان، من دون أن تكون الدولة اللبنانية قد استنفدت كل الوسائل القانونية والدبلوماسية المتاحة للمطالبة بالتعويض من الجهات التي ترى أنها مسؤولة عن الأضرار التي لحقت بها. فالدول التي يُطلب منها اليوم دعم إعادة إعمار لبنان قد تكون هي نفسها من بين الدول التي تدرس أو تطالب بتعويضات عن أضرار لحقت بها نتيجة النزاعات نفسها، الأمر الذي يجعل من تحرك لبنان لحفظ حقوقه جزءاً من منطق العدالة والمساواة بين الدول المتضررة، لا موقفاً استثنائياً أو سياسياً.
في هذا السياق، وكخطوة عملية لتنفيذ التوصيات الصادرة عن مؤتمر “معراب 3 – دفاعاً عن لبنان”، برز تحرك نيابي تمثل بعريضة وقعها 28 نائباً من تكتل “الجمهورية القوية” وحزب الكتائب اللبنانية، إضافة إلى النواب المستقلين أشرف ريفي وفؤاد مخزومي وميشال معوض وميشال الدويهي، دعوا فيها الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ خطوات رسمية وقانونية ودبلوماسية تحفظ حق لبنان في المطالبة بالتعويضات عن الأضرار والخسائر التي تكبدها نتيجة الحرب الأخيرة.
وفي 22 حزيران 2026، سلّم وفد نيابي ضم النواب غسان حاصباني، أشرف ريفي، سليم الصائغ، فؤاد مخزومي، ميشال معوض، جورج عقيص ورازي الحاج العريضة إلى رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، داعين الحكومة إلى التحرك السريع لإعداد ملف وطني متكامل يثبت الأضرار والخسائر التي تكبدها لبنان من جراء الحرب.
وترتكز العريضة على اعتبار أن الدولة اللبنانية لم تتخذ قراراً دستورياً بالدخول في الحرب، وأن فتح الجبهة العسكرية من الأراضي اللبنانية تم خارج إطار المؤسسات الشرعية للدولة. كما تستند إلى ما يعتبره مقدموها علاقة سياسية وعسكرية ومالية مباشرة بين “حزب الله” والجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما يبرر البحث في مسؤولية إيران عن جزء من الأضرار التي أصابت لبنان.
ويشير أصحاب المبادرة إلى أن لبنان تكبد خسائر بشرية واقتصادية واجتماعية وبيئية هائلة، تمثلت في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا والجرحى، ونزوح مئات الآلاف من المواطنين، وتدمير واسع للبنى التحتية والمؤسسات والمنازل والممتلكات الخاصة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية التي تقدر بعشرات مليارات الدولارات.
وتزداد أهمية هذا الملف في ضوء حجم الخسائر التي تكبدها لبنان، إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن كلفة الأضرار والخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحرب الأخيرة بلغت نحو 14 مليار دولار، منها ما يقارب 6.8 مليارات دولار أضراراً مباشرة في الأصول المادية والبنى التحتية، ونحو 7.2 مليارات دولار خسائر اقتصادية ناجمة عن تراجع النشاط الاقتصادي والإنتاجي. ولا تقتصر هذه الخسائر على إعادة بناء ما تهدّم من منازل وطرق وجسور وشبكات كهرباء ومياه واتصالات، بل تشمل أيضاً الخسائر الناتجة عن تراجع النمو والاستثمار وفرص العمل، وانكماش القطاعات الإنتاجية والتجارية والسياحية والزراعية، فضلاً عن الأكلاف الاجتماعية والإنسانية المترتبة على النزوح الواسع وتعطّل النشاط الاقتصادي في مناطق واسعة من البلاد. ومن هنا تبرز مشروعية السعي إلى كل مصادر التعويض الممكنة، وعدم حصر جهود إعادة الإعمار بالمساعدات الخارجية أو مساهمات الدول الصديقة، بل العمل أيضاً على تثبيت حق لبنان في المطالبة بالتعويض من الجهات التي قد يثبت قانوناً ارتباطها بالأسباب التي أدت إلى هذه الخسائر.
وطالبت العريضة الحكومة اللبنانية بإعداد ملف رسمي موحد لتوثيق جميع الأضرار والخسائر، وتشكيل لجنة وطنية متخصصة تضم خبراء قانونيين وماليين ودبلوماسيين، ودرس إمكان اللجوء إلى الهيئات والمحاكم الدولية المختصة، إضافة إلى إجراء اتصالات دبلوماسية مع الدول المعنية بملف الأصول الإيرانية المجمدة من أجل تثبيت حق لبنان في أي آلية تعويضات قد تنشأ مستقبلاً.
كما دعت إلى مخاطبة الدول التي تحتفظ بأصول إيرانية مجمدة، والعمل على إدراج لبنان ضمن أي برامج أو صناديق أو تسويات دولية قد تُنشأ مستقبلاً لتعويض المتضررين من النزاعات الإقليمية.
ولا تشكل هذه العريضة حكماً مسبقاً أو إدانة قانونية نهائية لأي طرف، لكنها تمثل خطوة سياسية وقانونية استباقية تهدف إلى منع ضياع حقوق لبنان في مرحلة قد تشهد إعادة رسم واسعة للترتيبات المالية والسياسية في المنطقة. فكما تسعى دول أخرى إلى تثبيت حقوقها في أي تسوية مقبلة، يصبح من واجب الدولة اللبنانية أن تحفظ حقها وحق مواطنيها في المطالبة بالتعويض، وألا تكتفي بدور المتلقي للمساعدات، بل أن تكون أيضاً صاحبة مطالبة واضحة ومعلنة بحقوقها الوطنية، انسجاماً مع مبدأ سيادة الدولة ومساواة لبنان مع سائر الدول المتضررة في المنطقة.