مع بدء تخفيف واشنطن بعض القيود المفروضة على طهران بموجب مذكرة التفاهم بينهما، باتت تُطرح أكثر من علامة استفهام حول صعوبة إزالة العقوبات المعقّدة التي تستهدف أنشطة الجمهورية الإسلامية وتجارتها، وكم سنة قد تستغرقها عملية إلغاء كل العقوبات على النظام الإيراني، في حال الوصول إلى اتفاق نهائي يضع أوزار الحرب مع أميركا، وتاليًا، كم من الوقت ستحتاج إليه الاستثمارات الأجنبية للعودة إلى السوق الإيرانية.
أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصًا عامًا موَقتًا يسمح بإنتاج النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية والبترولية ذات المنشأ الإيراني، وتسليمها وبيعها حتى 21 آب. ومن المتوقع أن تجني طهران مليارات الدولارات من جرّاء ذلك، لكن رفع كلّ القيود المفروضة منذ أكثر من أربعة عقود ينطوي على تحدّيات قانونية وسياسية وتجارية ربّما تستغرق سنوات.
وتتمحور المسألة حول ما إذا كانت مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران ستتحوّل إلى مكسب اقتصادي دائم لإيران المنهكة، في ظلّ تعقيد تفكيك نظام عقوبات يمتدّ عبر القانون الأميركي والإجراءات الدولية، فضلا عن مخاوف القطاع الخاص من المخاطر. وفرضت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات وحظرًا تجاريًا وجمّدت أصولا منذ أواخر السبعينات بسبب برنامج إيران النووي واتهامات بانتهاكها حقوق الإنسان ودعمها أذرعًا إرهابية مسلّحة في أنحاء المنطقة.
وسيشكّل رفع العقوبات المتبقية، إذا حصل مستقبلا، تحوّلا ضخمًا في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، التي ركّزت لفترة طويلة على كبح نفوذ إيران واستخدام الضغط المالي لإضعاف نظام الملالي. وسيكون ذلك صعبًا أيضًا، إذ يتطلّب إجراءات تنفيذية لبعض التدابير، وموافقة الكونغرس على تدابير أخرى، وتنسيقًا وثيقًا مع الأمم المتحدة ودول أخرى فرضت عقوباتها الخاصة. وربّما تحدّ الشركات من تأثير رفع العقوبات، بسبب توخّيها الحذر بعد عقوبات مستمرّة منذ عقود.
وقال خوان زاراتي، نائب مستشار الأمن القومي لمكافحة الإرهاب في عهد الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش: "لديك هذا العش المتشابك من العقوبات، ولا يتعلّق الأمر بالأوامر التنفيذية فحسب، بل بعقوبات الكونغرس أيضًا"، مضيفًا: "لقد أخفنا الأسواق إلى حد ما من مخاطر ممارسة الأعمال مع إيران أو عبرها، لذلك لا يمكنك ببساطة أن تضغط على زر وتقول: نعم، أصبح الآن من المقبول ممارسة الأعمال مع إيران". وفرضت واشنطن عقوبات على إيران للمرّة الأولى عام 1979، بعدما سيطر طلّاب إسلاميون على السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا دبلوماسيين رهائن.
ومنذ ذلك الحين، أقرّ الكونغرس ستة قوانين للعقوبات، وأصدر رؤساء أميركيون أوامر تنفيذية تتعلّق بالبرنامج النووي الإيراني ودعم طهران لجماعات تصنّفها الولايات المتحدة منظمات إرهابية، بما في ذلك حركة "حماس" و"حزب الله" وجماعة الحوثي في اليمن. وتشير بيانات وزارة الخزانة الأميركية إلى أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع للوزارة فرض، منذ أوائل عام 2025، عقوبات على أكثر من 1000 شخص وسفينة وطائرة.
وأوضح جيريمي بانر، الشريك في شركة المحاماة "هيوز هابارد أند ريد" والمسؤول السابق في سلطات فرض العقوبات الأميركية، أن شطب آلاف الكيانات المدرجة في لوائح العقوبات سيستغرق من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية عامًا على الأقلّ. وبوسع الرئيس ترامب إلغاء الأوامر التنفيذية الصادرة في شأن إيران، لكن بعض الإجراءات، بما في ذلك العقوبات المفروضة على "حماس" و"حزب الله"، تنصّ عليها القوانين، ولن تُرفع أو تُعدّل إلّا من قِبل الكونغرس، حيث قوبلت مذكرة التفاهم بالفعل بانتقادات علنية حادة من مشرّعين ينتمون إلى الحزب الجمهوري تحديدًا.
ورأى مات زويج، المدير الإداري للسياسات في "أف دي دي أكشن"، ذراع الضغط التابعة لمؤسّسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن التراجع عن عقوبات مفروضة منذ 40 عامًا سيكون صعبًا. وشرح زويج، وهو مساعد سابق في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، أن "أي محاولة لإزالة شريحة تلو الأخرى من العقوبات على نحو شامل ستكون أشبه بتقشير بصلة، إذ ستعرّض الإدارة ليس فقط لتعقيدات قانونية، بل أيضًا لمخاطر سياسية".
كما اعتبرت ستيفاني كونور، وهي مسؤولة سابقة في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، وشريكة حاليًا في شركة المحاماة "هولاند أند نايت"، أن رفع العقوبات قد يعني تدفّق الأموال إلى جماعات تعتبرها الولايات المتحدة تهديدًا، متسائلة: "هل سنسمح حقًّا بتدفّق الأموال إلى الحرس الثوري الإسلامي الإيراني؟".
ولا تزال الشركات التي تتعامل مع إيران تواجه دعاوى قضائية من ضحايا هجمات يمكنهم مقاضاة المستثمرين والشركات بتهمة مساعدة جماعات مدرجة بموجب قانون "العدالة ضدّ رعاة الإرهاب" الصادر عام 2016، الذي يستبعد مساعدون إلغاءه. ورأى بريت إريكسون، المدير في شركة الاستشارات "أوبسيديان ريسك أدفايزرز"، أنه بالنظر إلى هذه المخاطر، ربّما تبتعد الشركات عن التعامل مع إيران لتجنّب المخاطر القانونية والمخاطر المتعلّقة بالسمعة، ما دام النظام الحالي يمسك مقاليد الحكم.