شربل صفير

الهادئ يرسل إنذاره الأخير: استعدوا للجفاف والطوفان

"النينيو" يهدّد الملايين في 22 دولة

4 دقائق للقراءة

قد تغرق مدينة تحت أمطار تعجز شبكاتها عن تصريفها، فيما يفقد مزارع بعيدًا محصوله بسبب الجفاف. وقد تبدأ بارتفاع حرارة المياه في المحيط الهادئ، قبل أن تصل ارتداداتها إلى رغيف الخبز وفاتورة الكهرباء وأسعار التأمين.

هذا هو الوجه الحقيقي لـ"النينيو 2026": اضطراب مناخي يبدأ في المحيط ولا يبقى فيه، بل يعيد توزيع الحرارة والرطوبة، ويربك الأمطار والزراعة، ويضع الأمن الغذائي والمياه والاقتصاد في اختبار قاسٍ.


ظاهرة تتجه نحو الشدة

في 11 حزيران 2026، أعلنت الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي "NOAA" أن ظروف النينيو أصبحت قائمة، بعدما بلغ مؤشر Niño-3.4 نحو 0.7 درجة مئوية فوق المعدل. وفي شرق المحيط الهادئ، سجل مؤشر Niño-1+2 انحرافًا بلغ 2.1 درجة.

وتوقعت الوكالة اشتداد الظاهرة حتى شتاء 2026-2027، مقدّرة احتمال بلوغها مستوى "شديد جدًا" بـ63 في المئة بين تشرين الثاني وكانون الثاني، ما قد يضعها بين أكبر أحداث النينيو منذ عام 1950.

ورجّحت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تطور نينيو قوي بين تموز وأيلول، مع وصول متوسط انحراف حرارة منطقة Niño-3.4 إلى نحو درجتين مئويتين. لكن التوقعات احتمالية، ولا تعني تكرار الأثر نفسه إقليميًا.


سلهب: العالم دخل زمن "التطرف المناخي"

وفي حديث خاص لـ"نداء الوطن"، يوضح الباحث في الرصد الجوي والمناخ ورئيس دائرة المناخات في مصلحة الأرصاد الجوية، د. طارق سلهب، أن العالم يشهد تحولًا متسارعًا نحو الاحترار، يعيد تشكيل المنظومة الجوية وينتج منخفضات أكثر عمقًا وحدّة.

ويشير إلى أن العالم دخل مرحلة "التطرف المناخي"، حيث تقترب موجات الحر والبرد والجفاف والأمطار الغزيرة من حدودها القصوى. ولا تنشأ هذه الظواهر، بحسب سلهب، من عامل منفرد، بل من تفاعل النشاط البشري والتقلبات الطبيعية وعوامل خارجية، بينها النشاط الشمسي.

ومع ارتفاع حرارة الغلاف الجوي والمحيطات، تتغير استجابة الأنظمة المناخية وتزداد قدرتها على إنتاج موجات حر أقسى وأمطار أشد غزارة. لذلك، يضع سلهب العواصف الثلجية في أميركا الشمالية والأمطار الاستثنائية في الخليج ضمن ظواهر قد تصبح انعكاساتها أشد في مناخ أكثر دفئًا، من دون عدّ كل حادثة دليلًا بذاتها.


"النينيو" و"النينيا"

يتشكل النينيو عندما ترتفع حرارة المياه في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه، وتضعف الرياح التجارية، فتتغير حركة الهواء والرطوبة والتيارات البحرية. أما "النينيا" فتمثل الحالة المعاكسة، إذ تنخفض حرارة المياه وتتبدل أنماط الرياح وتوزيع الطاقة.

ويلفت سلهب إلى أن آثار الظاهرتين لا تُقرأ ضمن حدود ضيقة، لأن الدورة الهوائية والتيارات البحرية تنقل الاضطرابات إلى مناطق بعيدة، بينها حوض المتوسط والخليج وشمال أفريقيا. ويراقب العلماء مؤشرات من الأطلسي إلى الهندي، وعندما تسجل تغيرات حادة، ترتفع احتمالات ظواهر غير اعتيادية باتت صدماتها أكثر تقاربًا.


من المحيط إلى رغيف الخبز

لا يضرب النينيو العالم بطريقة موحّدة، فقد يرجّح الجفاف والحرائق، ويرفع خطر الفيضانات والعواصف في مناطق أخرى. لكن أثره لا يتوقف عند الطقس: فالجفاف يضرب الحبوب والمراعي والماشية، فيما تدمّر الفيضانات المحاصيل والطرق والمخازن، قبل انتقال الصدمة إلى أسعار الغذاء والطاقة والنقل والتأمين.

وفي هذا السياق، أطلقت منظمتا الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي نداءً بقيمة 202 مليون دولار لحماية 8.8 ملايين شخص في 22 دولة، وتشير تقديراتهما إلى أن كل دولار يُستثمر استباقيًا قد يوفر سبعة دولارات من الخسائر وكلفة الاستجابة.


لبنان: شح مائي وصيف أشد حرارة

في لبنان، يميز سلهب بين "الجفاف" و"الشح المائي". فالجفاف حالة ممتدة، تتراجع في خلالها الأمطار والإنتاج الزراعي والمياه الجوفية وتتدهور التربة. أما لبنان، فلم يدخل، وفق تقييمه، مرحلة الجفاف الفعلي، لكنه يواجه شحًا مائيًا قد تتفاقم آثاره بفعل سوء الإدارة وتبدل توزيع الأمطار.

ويوضح أن منخفضات لبنان تختلف باختلاف مصادرها: الغربية غنية بالرطوبة، والشمالية باردة وقليلة الأمطار، والقادمة من شمال أفريقيا محدودة الرطوبة، فيما تحمل الشرقية طقسًا حارًا وجافًا. ويحذر من صيف أشد حرارة بفعل المرتفعات الجوية فوق شبه الجزيرة العربية والقادمة من المحيط الهندي.

التحذير وصل، لكن الاختبار يبدأ الآن: هل تتحرك الدول قبل أن تتحول حرارة المحيط إلى مدن غارقة، ومحاصيل مفقودة، وأسعار ملتهبة، وملايين البشر المهددين بتفاقم انعدام الأمن الغذائي؟