الدكتور سايد حرقص

حين يتحول السلم الأهلي إلى شماعة

4 دقائق للقراءة

في كل مرة تبلغ فيها الأزمات السياسية والأمنية في لبنان ذروة الاختناق، يُستدعى مصطلح «السلم الأهلي» من كهوف الأوهام، كصنم سحري لا يُمسّ. غير أن الإفراط في تقديس هذا الشعار حوّله إلى جدار سميك يُراد به حجب الحقيقة العارية، بعدما بات عاجزاً عن الإجابة عن السؤال الوجودي الأساسي: هل يمكن لسلام أهلي أن يتنفس في رئة دولة مسلوبة السيادة، ضعيفة الإرادة، وفاقدة لحقها الحصري والشرعي في احتكار القوة والسلاح؟

إن القراءة الصادقة للواقع اللبناني تفضح هذه الدعاية الممنهجة؛ فهل ما نراه اليوم على منصات التواصل الاجتماعي من انحطاط أخلاقي في الخطاب العام، تقوده «الجيوش الإلكترونية» التابعة لمحور الممانعة، هو وجه من وجوه السلم الأهلي؟ علماً أن هذه المجموعات المنظمة لم تعد مجرد حسابات افتراضية، بل تحولت إلى غرف اغتيال معنوي تمارس التخوين كصناعة، والإلغاء كعقيدة، والتحريض الغريزي ضد كل من يرفض الانصياع.

فكيف يكون سلماً أهلياً ذلك الذي يتغذى على تفخيخ الفضاء العام بالكراهية الطائفية والمذهبية؟ وكيف يكون استقراراً ذلك الذي يستبيح كرامات الناس ويحوّل الوطن إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات المحاور الإقليمية؟ إن ما يُمارس اليوم، في الحقيقة، ليس سلماً أهلياً، بل إرهاب فكري صامت يُجبر اللبنانيين على الاختيار بين أمرين أحلاهما مرّ: إما القبول بالخضوع المطلق، وإما التهميش والتخوين.

ورغم هذا الاهتراء الشامل، تصر أركان السلطة على رفع شعار «السلم الأهلي» بوصفه خطاً أحمر لا يجوز المساس به. والخطورة هنا لا تكمن في الشعار ذاته، بل في تحويله إلى شماعة لتبرير التلكؤ عن القيام بالواجب الوطني، ولشرعنة أصل الأزمة بدلاً من استئصالها من جذورها. فالسلم الأهلي، في مفهوم الشعوب الحرة، ليس هدنة هشة يفرضها الخوف المتبادل وتوازن الرعب بين المكونات، وليس مجرد غياب مؤقت لأصوات الرصاص؛ بل هو الابن الشرعي لدولة العدالة والقانون التي تبسط سلطتها الحصرية من دون شريك، وتُخضع الجميع من دون استثناء أو مواربة.

على مدى أكثر من نصف قرن، سلك اللبنانيون طريقاً انحدارياً قوامه التنازل التدريجي والمستمر عن مقومات سيادتهم الوطنية. ومنذ أن أُخرج القرار الوطني من كنف المؤسسات الشرعية ليصبح ورقة مضاربة في البورصات الإقليمية، تآكلت هيبة الدولة، وتناوبت عليها الوصايات والاحتلالات بوجوه وأقنعة شتى. تبدلت العناوين وتغيّر الوكلاء، لكن النتيجة ظلت واحدة: دولة منزوعة الهيبة، ومؤسسات مشلولة، ومواطن منكسر يدفع من دمه واقتصاده ومستقبل أبنائه فاتورة حروب الآخرين على أرضه.

فالأوطان لا تُبنى بالخطب الرنانة ولا بالتسويات الذليلة، بل بقدرتها على فرض هيبة القانون على جميع مكوناتها. وعندما تسقط هذه الهيبة، ينكفئ المواطن مرغماً إلى مربعه الغريزي الأول؛ فيحتمي بالطائفة أو الحزب أو الزعيم. هنا تموت المواطنة في مهدها، وتتحلل فكرة الانتماء الجامع أمام جبروت النفوذ الفئوي وسلطة السلاح غير الشرعي.

لذلك، فإن المطابة بإنقاذ الدولة واستعادة هيبتها ليس موقفاً كيدياً ضد طائفة أو فئة بعينها، بل هو معركة الوجود للبنان الكيان والرسالة. فلا اقتصاد يمكن أن ينهض من رماده الكارثي، ولا كرامة لمواطن يقف في طوابير الهجرة الطويلة، ولا ثقة دولية يمكن ترميمها في ظل قرار استراتيجي ممزق، تقرره عواصم خارجية وينفذه وكلاء محليون خارج أطر الدستور والقانون.

وفي الخلاصة، فإن السلم الأهلي الحقيقي لا يُصنع بالقبول بالأمر الواقع، بل بقيام الدولة السيدة الحرة المستقلة. وما دون ذلك ليس إلا استسلاماً تدريجياً لخراب حتمي، وهدنة ملغومة ستنفجر عند أول منعطف، ليبقى الوطن أسيراً في متاهة مظلمة، يدور حول نفسه في حلقة مفرغة من الأزمات المؤجلة التي لا يبدو أن لها نهاية في الأفق.