في العادة، يعيش نواب الرؤساء في الولايات المتحدة داخل هامش السلطة، قريبين من القرار لكن بعيدين عن الأضواء. غير أن ما يحدث مع نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس يبدو مختلفًا تمامًا. فمنذ اندلاع الأزمة الإقليمية الأخيرة وما تبعها من حراك دبلوماسي كثيف، لم يعد مجرد الرجل الثاني في الإدارة الأميركية، بل أصبح أحد أبرز وجوهها السياسية والدبلوماسية، إن لم يكن أبرزها على الإطلاق.
الرجل الذي خرج من ظل المنصب إلى مركز صناعة القرار بات في قلب كل ملف سياسي وأمني ودبلوماسي تتعامل معه واشنطن، في تحوّل غير تقليدي لدور نائب الرئيس.
في الأسابيع الأخيرة، تصدّر اسمه العناوين الرئيسية للصحف ووكالات الأنباء العالميّة. حضر في ملفات التفاوض، وفي الاتصالات مع قادة المنطقة، وفي النقاشات المتعلقة بلبنان وإيران وترتيبات وقف إطلاق النار. حتى إن المتابع للمشهد يلحظ أنه تحوّل من موقع الشريك في صناعة القرار إلى موقع المبعوث السياسي الذي يتحمل جزءًا أساسيًا من إدارة الأزمة.
الاسم الأكثر حضورًا في ملفات الحرب والتفاوض بات عنوان المرحلة، في مشهد تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع إدارة الأزمات الدولية.
ما يلفت الانتباه ليس فقط حجم الملفات التي يتولاها، بل طبيعة الدور نفسه. ففانس يتحرك بين الدبلوماسية التقليدية والدبلوماسية الوقائية، وبين إدارة التوازنات الإقليمية وصياغة الرسائل السياسية الموجهة إلى الحلفاء والخصوم. وفي علم السياسة، يُعد هذا انتقالًا من وظيفة تنفيذية إلى وظيفة استراتيجية، حيث يصبح الفاعل جزءًا من هندسة النظام الإقليمي لا مجرد منفذ لسياساته.
وقد برز ذلك بوضوح في الملف الإيراني، حيث أصبح أحد الوجوه السياسية الأساسية للمفاوضات، مدافعًا عن مسار التهدئة ومعلنًا تقدمًا في مساعي احتواء الحرب وتوسيع مساحة التسويات السياسية.
الوجه السياسي الأبرز في إدارة الأزمة بات يتشكل تدريجيًا، مع توسع حضوره في ملفات تمتد من الشرق الأوسط إلى الأمن الدولي.
أما في البعد الدبلوماسي الرمزي، فقد حملت لقاءاته المتكررة مع الفاتيكان دلالات تتجاوز البروتوكول. فانس، الذي اعتنق الكاثوليكية لاحقًا، نجح في بناء قناة تواصل مباشرة مع رأس الكنيسة الكاثوليكية، حيث التقى البابا الراحل فرنسيس قبل وفاته، ثم البابا لاون الرابع عشر في لقاءات تناولت قضايا دولية ونزاعات معقدة.
هذه اللقاءات ليست تفصيلًا عابرًا، إذ يُعد الفاتيكان أحد أهم مراكز القوة الناعمة عالميًا، وعندما يصبح نائب الرئيس الأميركي حاضرًا في هذا الفضاء، فإن ذلك يعكس رغبة في تقديم نفسه كرجل حوار وتفاهمات لا كرجل صدام.
من نائب الرئيس إلى مهندس دبلوماسية الحرب، تتضح ملامح دور يتجاوز الوظيفة التقليدية إلى التأثير المباشر في صياغة التوازنات الدولية.
وفي هذا السياق، يبدو فانس وكأنه الرجل الذي يطارد الأزمات من بيروت إلى الفاتيكان، متنقلًا بين الجبهات السياسية والرمزية والدبلوماسية.
قبل دخوله البيت الأبيض، لم يكن فانس من أبناء المؤسسة السياسية التقليدية. خدم في سلاح مشاة البحرية الأميركية، ثم درس القانون في جامعة ييل، واشتهر من خلال كتابه " Hillbilly Elegy" الذي قدّم فيه سردًا عن الطبقات المهمّشة في أميركا. ومنذ ذلك الوقت، بنى صورته السياسية على فكرة مركزية: الدفاع عن المصالح الوطنية واستعادة ثقة المواطن بالدولة.
ومن هنا يمكن فهم حضوره في السياسة الخارجية، إذ ينتمي إلى مدرسة تعتبر أن النفوذ الأميركي لا يُقاس فقط بالقوة العسكرية، بل بالقدرة على فرض الاستقرار وصناعة التسويات بما يخدم المصالح القومية. فهو يعيد تعريف العلاقة بين القوة والدبلوماسية كأداة لإعادة تشكيل النفوذ الأميركي.
ولعل ما يفسّر هذا الصعود المتسارع هو تراكم ما يُعرف في علم السياسة بـ"رأس المال السياسي"، حيث يتحوّل الحضور في الأزمات الكبرى إلى رصيد يصنع مستقبل القادة. فاسمه اليوم حاضر في لبنان، وإيران، وأمن الممرات البحرية، وفي جهود منع توسّع الحرب.
ولهذا تتكرر المقارنات مع شخصيات تاريخية صنعت مسارها عبر السياسة الخارجية قبل الوصول إلى الرئاسة، مثل نيكسون وجورج بوش الاب، حيث شكّلت الأزمات الدولية منصة للصعود نحو القيادة العليا.
وفي داخل الحزب الجمهوري، يُنظر إليه بشكل متزايد باعتباره أحد أبرز الوجوه المرشحة لمرحلة ما بعد الأزمة، مع تصاعد الحديث عن انتخابات 2028.
لكن صعود فانس لا يتوقف عند السياسة، بل يمتد إلى بناء سردية فكرية ودينية متكاملة. ففي 16 حزيران 2026، أصدر كتابه الجديد "Communion: Finding My Way Back to Faith"، الذي أثار اهتمامًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية.
الكتاب يوثق رحلته من البروتستانتية إلى الإلحاد ثم إلى الكاثوليكية، لكنه يتجاوز البعد الشخصي ليعكس انقسامات أعمق داخل الحزب الجمهوري بين النخب الاقتصادية وقاعدته الدينية المحافظة، ويقدّم قراءة غير مباشرة للهوية الأميركية في لحظة اضطراب داخلي. كما أن التفاعل حول الكتاب لم يخلُ من الجدل، إذ رافق صدوره نقاش واسع وانتقادات حادة وتقييمات سلبية، ما زاد من حضوره الإعلامي بدل أن يقلل منه، وفتح باب التأويل حول ارتباطه بطموحات سياسية مستقبلية.
وبذلك يتحول الكتاب إلى جزء من مشروع أكبر: بناء الهوية الفكرية لرجل يتجه تدريجيًا نحو موقع المرشح الرئاسي غير المعلن.
وفي النهاية، لا يبدو جاي دي فانس مجرد نائب رئيس في زمن أزمة، بل رجل تتقاطع عنده السياسة والدبلوماسية والفكر في لحظة واحدة. فبين الأزمات الدولية، والملفات الإقليمية، والسردية الفكرية، يتشكل ببطء مشروع قيادة أميركية محتملة.
ففي التاريخ السياسي، كثيرًا ما كانت الأزمات الكبرى هي التي تصنع الرؤساء لا العكس.
أستاذة جامعية