د. جوسلين البستاني

احذروا الـ"جنگ نرم"... حرب إيران الناعمة

5 دقائق للقراءة
فجوة زمنية بين الوقائع والروايات الإيرانية

وقعت مذكرة إسلام آباد في السابع عشر من حزيران 2026. وقبل أن يطلع الرأي العام على نصها، وقبل أن يحاط الكونغرس الأميركي علمًا بمضمونها، كانت إيران و"حزب الله" قد شرعا في بث روايتهما الخاصة بشأن دلالاتها.

ولفهم هذه السرعة في الاستباق السردي، لا بد من العودة إلى منطلقها العقائدي. فقد كان علي خامنئي المُنظر الأول لما تسميه إيران "جنگ نرم"، أي "الحرب الناعمة"، والمروج الرئيس لهذا المفهوم، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن خصوم الجمهورية الإسلامية يسعون إلى إضعافها، لا عبر القوة العسكرية المباشرة فحسب، بل أيضًا من خلال الإعلام والثقافة والمعلومات والتأثير النفسي وتشكيل الرأي العام. ومن هذا المنطلق، وجه مؤسسات الدولة الإيرانية، والمنظومة الإعلامية، والهيئات التعليمية، والشبكات الدينية، والفاعلين السيبرانيين، نحو خوض صراع معلوماتي وأيديولوجي دائم، هدفه حماية شرعية النظام ومواجهة ما تصفه طهران بالتغلغل الأجنبي.

وتتعامل هذه العقيدة مع الرأي العام بوصفه ساحة صراع استراتيجية لا تقل أهمية عن الميدان العسكري. فالمعركة، وفق تصوّر خامنئي، لا تُحسم بالصواريخ وحدها، بل أيضًا بالقدرة على تحديد معنى الأحداث قبل أن ينجح الخصم في فرض تأويله لها. لذلك، لا تكتفي المنظومة الإيرانية بالرد على السرديات المنافسة، بل تسعى إلى استباقها وفرض قراءتها الخاصة للوقائع في الداخل والخارج على حد سواء. ومذكرة إسلام آباد ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل تمثّل أحدث ساحات الحرب الناعمة الإيرانية.

كما أن الغموض الذي يميز نص التفاهم لا يمكن اختزاله في كونه قصورًا في الصياغة. ففي منطق الحرب الناعمة، يشكل الغموض في حد ذاته موردًا سياسيًا. فكلما اتسعت المسافة بين النص وتأويله، ازدادت قدرة الفاعلين على ملئها بالسرديات والمضامين السياسية. ولهذا السبب تحديدًا، لم تكن المعركة حول المذكرة معركة على نصها، بل على معناها.

والحرب الناعمة الإيرانية لا تقوم على اختلاق الأكاذيب فحسب، بل على الاستيلاء على معنى الحدث قبل أن يستقر. وهذا تحديدًا ما حدث مع مذكرة إسلام آباد؛ فقبل أن تتضح التزاماتها، بل وقبل أن تتبلور آليات تنفيذها، كانت طهران قد شرعت في تحديد معناها السياسي.

أما في الداخل الإيراني، فتقدم المذكرة بوصفها دليلا على صمود الجمهورية الإسلامية وقدرتها على إرغام خصومها على التفاوض. وفي لبنان، يعاد تأطير الدور الذي لعبه "حزب الله" بوصفه عاملا أفضى إلى مكاسب استراتيجية، لا عبئًا قاد البلاد إلى الدمار. وعلى المستوى الإقليمي، تطرح قراءات تتعارض مع التأطير الأميركي لبعض البنود، بما يسمح بإدخال تفسيرات بديلة إلى النقاش العام قبل أن تتبلور الوقائع النهائية.

وليست هذه رسائل منفصلة، بل تطبيقات متعددة للمنطق نفسه: فرض التأويل قبل تثبيت الحقيقة. فالمعركة لا تدور حول ما تنص عليه المذكرة فحسب، بل حول المعنى الذي سيلتصق بها في الوعي العام عندما يحين وقت تقييمها.

وما يجعل هذه الآلية فعالة هو اللاتزامن أو الفجوة الزمنية بين الوقائع والروايات. فالالتزامات الملموسة لواشنطن في إطار المذكرة مؤجلة ومشروطة بتفاهمات لاحقة لم تنجز بعد، أما الروايات الإيرانية فحاضرة وفورية وقابلة للتداول منذ اللحظة الأولى. وبينما تنتظر الوقائع اكتمال شروطها، تكون السرديات قد بدأت عملها بالفعل.

وهذا اللاتزامن ليس صدفة، بل نتيجة بنية مؤسساتية أنشئت خصيصًا لهذا الغرض. فمنظمة "سراج للفضاء الافتراضي" التابعة للحرس الثوري، ومنظمة "أوج للفنون والاعلام"، التي تدار أيضًا من الحرس الثوري وتُعنى بإنتاج المحتوى الدعائي وتنسيق أدوات القوة الناعمة محليًّا وإقليميًّا، فضلا عن الشبكات الإعلامية والسياسية المرتبطة بـ"حزب الله"، جميعها تعمل على ملء الفراغات التأويلية قبل أن تتمكن الروايات المنافسة من التماسك. فهي لا تنتظر اكتمال الحدث كي تفسره، بل تسعى إلى تحديد معناه قبل أن يكتمل.

ومذكرة إسلام آباد ليست سوى أحدث تجليات هذه الآلية.

وبالعودة إلى لبنان، لا يقتصر الخطر على التداعيات العسكرية أو الدبلوماسية للمذكرة، بل يمتد إلى المجالين المعرفي والسياسي. فلغة السيادة الواردة في النص تستخدم، في الوقت نفسه، لإعادة تأهيل الأداة الرئيسية للنفوذ الإيراني داخل لبنان. وهكذا، يصبح الاتفاق الذي يفترض أنه يحمي السيادة اللبنانية إطارًا يسهم في إعادة إنتاج النفوذ الذي يقوضها.

وليس هذا النمط جديدًا. فقد شهد لبنان مرارًا اتفاقات لوقف إطلاق النار، كانت نصوصها شيئًا، فيما أصبحت الروايات التي أُنتجت حولها شيئًا آخر. وفي كثير من الأحيان، كانت تلك الروايات أكثر تأثيرًا واستدامةً من الاتفاقات نفسها.

ولهذا السبب، لا تكمن أهمية مذكرة إسلام آباد في بنودها فحسب، بل في المعركة الدائرة حول معناها. فمن سينجح في تثبيت تفسيره لها سيؤثّر في الذاكرة السياسية لما جرى: من الذي انتصر، ومن الذي حمى لبنان، ومن الذي يملك حق التحدّث باسمه. أمّا مصنع السرديات، فلا يزال يعمل بكامل طاقته.