رغم أن المواجهة الأميركية - الإيرانية لم تنتهِ، ورغم استمرار الخلافات حول ملفات أساسية، مثل تفتيش المواقع النووية والأموال الإيرانية المجمّدة، فإن الأسابيع الأخيرة كشفت تحوّلا لافتًا في الخطاب الذي يعتمده الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران. فالرجل الذي بنى جزءًا كبيرًا من مسيرته السياسية على سياسة الضغط الأقصى بات اليوم يستخدم، في بعض الأحيان، لغة مختلفة. ترامب يصف الإيرانيين بأنهم شعب ذكي، ويشيد بما يعتبره عقلانية لدى القيادة الحالية، بعدما قضى على الصفين الأوّل والثاني، وربّما الصف الثالث، قبل أن يعود في مناسبات أخرى إلى التهديد والوعيد.
هذا التناقض ليس جديدًا في شخصية ترامب، لكنه يطرح سؤالا أساسيًا: هل نحن أمام تبدّل حقيقي في المقاربة الأميركية تجاه إيران، أم أن الأمر لا يتجاوز كونه جزءًا من أسلوب تفاوضي يعتمد على المفاجأة وعدم القدرة على التنبؤ بخطواته؟
الواقع أن مسار المفاوضات يوحي بأن الإدارة الأميركية لا تزال تستخدم العصا والجزرة في آن واحد. فبينما تتحدّث واشنطن عن فرص السلام، لا يتردّد ترامب في إطلاق تهديدات علنية بإعادة إشعال المواجهة إذا شعر بأن طهران لا تلتزم بما اتُّفق عليه. وفي المقابل، يحرص أحيانًا على توجيه رسائل إيجابية، ليس فقط إلى القيادة الإيرانية، بل أيضًا إلى الشعب الإيراني، في محاولة واضحة لخلق مناخ يسمح باستمرار التفاوض.
هذا الأسلوب دفع بعض المراقبين إلى الحديث عن تحوّل من سياسة الضغط الأقصى إلى التفاوض تحت الضغط. وهذا يعني أنه، بدلا من الاكتفاء بالعقوبات أو التهديد العسكري، بات ترامب يستخدم تصريحاته المتناقضة كجزء من عملية التفاوض نفسها، بحيث يصعب على الطرف المقابل توقّع خطوته التالية.
ويبدو أن الإيرانيين باتوا يدركون هذه المعادلة. فقد كشفت تقارير متصلة بمحادثات سويسرا أن دبلوماسيين إيرانيين عادوا إلى قراءة كتاب ترامب الشهير "فن الصفقة"، الصادر عام 1987، لفهم الطريقة التي يفكّر بها الرئيس الأميركي. فالكتاب يقوم على مبدأ واضح: رفع سقف المطالب، وإرباك الخصم، وإظهار استعداد دائم للذهاب إلى أبعد الخيارات، بهدف دفع الطرف الآخر إلى تقديم تنازلات أكبر.
ولم يتوقّف الأمر عند قراءة الكتاب. فقد أفاد بعض الوسطاء بأن المفاوضين الإيرانيين استعانوا بخبراء في علم النفس لمحاولة فهم شخصية ترامب وتوقّع ردود فعله على المقترحات المختلفة. ولكن بغضّ النظر عن دقة هذه المعلومات، فإن مجرّد تداولها يعكس حجم التعقيد الذي يفرضه أسلوب الرئيس الأميركي على خصومه وحتى على حلفائه.
لكن في المقابل، من المبكر اعتبار الإشادات التي يوجّهها ترامب إلى الإيرانيين مؤشرًا إلى تحوّل استراتيجي دائم. فما زال عدد كبير من الجمهوريين يتمسّك بمواقف متشدّدة تجاه طهران، وما زال الرئيس الجمهوري نفسه يعود بين الحين والآخر إلى خطاب التهديد. لذلك، قد تكون هذه اللغة المرنة مجرّد أداة تفاوض مرحلية أكثر من كونها تغيّرًا في القناعة السياسية.
في النهاية، تبدو المفاوضات الحالية كأنها لا تدور فقط حول البرنامج النووي أو العقوبات أو الأموال المجمّدة، بل أيضًا حول فهم شخصية ترامب نفسه. فالرئيس الأميركي لا يتفاوض عبر الوثائق وحدها، بل عبر تصريحاته ومنشوراته وتقلّباته. وربّما لهذا السبب، باتت قراءة "فن الصفقة"، بالنسبة إلى الإيرانيين، جزءًا من التفاوض.