هو كتابٌ جديد للصحافي والأديب الفرنسي روبير سوليه من ترجمة ادونيس سالم وإصدار دار نوفل هاشيت - أنطوان، وفي مضمون عزيز على قلب المؤلّف: مصر الحبيبة. هذا البلد الذي عاش فيه منذ كان في السابعة عشرة من عمره تحديداً، هي علاقة عشق إذاً بينه وبين بلاد الفراعنة، فقد أسفرت عن وضعه مؤلفاتٍ عنها لأكثر من ثلاثين عاماً، كروايته «الطربوش» في العام ١٩٩٢، مروراً بـ"فندق المهرجان"، و"مزاج"، و"علماء بونابرت فى مصر"، "وسقوط الفرعون" و"ولع فرنسي" وغيرها من الاصدارات التي ترجمت الى اكثر من لغة. عمل «سوليه» في جريدة «لوموند» الفرنسية، كمراسل لها بين الولايات المتحدة الأميركية وإيطاليا حتى ترأس ملحقها الأدبي. وسوليه وإن كان درس اللغة العربية وأتقن المصرية وقرأها بطلاقة، إلا أنه لا يستطيع تأليف كتاب بالعربية، ولكن ذلك لم يمنعه من توثيق أعماله بترجمتها الى العربية والانجليزية والايطالية. وها قد وصل كتابه المعرّب "وجوه مصر الحديثة" الصادر عن دار نوفل ـ هاشيت أنطوان الى أيدينا. كتابٌ مشوّق يبدأ بوصفٍ تاريخيّ موجز لنهضة الامة المصرية ويرسم بين الفصول كيف تغيرت صورتها منذ العام 2010 حين كان البلد أرضاً للفراعنة وحتى أيامنا هذه.
يمرّ الكتاب على وجوه مرّت في تاريخ مصر راسمةً معالم أرض الكِنانة كما نعرفها اليوم: دولة محوريّة بأهميّتها، غنيّة بماضيها، رائعة بقصصها.

وفي الكتاب عرضٌ موجز لشخصياتٍ رائدة بتاريخ مصر مثل الامبراطورالفرنسي نابوليون بونابرت، ومحمد علي مؤسس الدولة والامبراطورية الذي خصه فكتور هوغو بتكريم في كتابه شرقيات يقول فيه: "لعلّ الهمجية الآسيوية القديمة لا تخلو من الرجال المتفوقين بالقدر الذي تميل حضارتنا الى اعتقاده. يجب ان نتذكر ان تلك الهمجية هي التي انتجت العملاق الوحيد الذي يمكن تشبيهه ببونابرت هذا القرن، ان جاز ان يكون لبونابرت شبيه. إنه علي باشا، الرجل العبقري، التركي والتتري، الذي يعدّ بالنسبة الى نابوليون بمثابة النمر الى الاسد او بمثابة العقاب بالنسبة الى النسر". واشتهر محمد علي ايضاً بثورته الزراعية حيث خصصت للفلاحين قطع أرض يعملون فيها بأجرٍ يومي واقام في مرحلة ثانية صناعة ضخمة بإشراف الدولة في مجالي النسيج والاسلحة. ومن أبرز الوجوه التي مرّت على مصر رفاعة الطهطاوي حامل شعلة التنوير الى مصر الذي سافر الى باريس وعاد منها بغنى فكري أراد ان يستفيد منه المصريون وسرد أخبار رحلته في كتاب بعنوان: "تخليص الابريز في تلخيص باريس" يتحدث فيه عن رغبته في حثّ ديار الاسلام على البحث عن العلوم والصنائع التي بلغ فيها الاوروبيون الكمال. واقترح الطهطاوي على محمد علي تأسيس مدرسة للترجمة فأبصرت "مدرسة الألسن" النور في العام 1835 بإدارته. كذلك كان لافتاً اهتمام الطهطاوي بتوفير التعليم الابتدائي للفقراء والاغنياء وللبنات كما الصبيان معتبراً أنه لا يمكن الاستغناء عنه فهو كالخبز والماء. وكان عصرياً بتفكيره فأعلن جهاراً معارضته لتعدد الزوجات ودعا لاعتبار ان بوسع المرأة تعاطي الاعمال والاشغال كما يتعاطاها الرجال، على قدر قوّتها وطاقتها وكان ذلك قبل ان تبصر حركة تحرير المرأة النور بعقود عدّة.
ولا يغيب الكتاب عن تعداد مآثر فترة حكم اسماعيل باشا للبلاد الذي نقل مصر الى التوقيت الاوروبي وكان له الفضل في الشروع بتنفيذ خطة وصل البحر الابيض المتوسط بالبحر الاحمر عبر قناة السويس متعاوناً مع فردينان دو ليسبس لتحقيق المشروع الحلم رغم اعتراض الباب العالي وبريطانيا عليه. وكانت حفلة تدشين القناة ابرز فرصة لاثبات نفسه كملك كامل السلطات. وكان اسماعيل مفتوناً بطراز العمارة في باريس فقرر منذ عودته من زيارة استقبل فيها بحفاوة كبيرة، تغيير وجه بعض أحياء القاهرة وأنشأ حياً كاملاً على الطراز الاوروبي الى الغرب من الازبكية حمل اسمه: الاسماعيلية. ولم يكن غريباً كذلك تدشين أوبرا القاهرة في عهده في العام 1869، وتسهيل انشاء المدارس الاجنبية. وبدفع من نوبار، وزير خارجية مصر الارمني الاصل، حقق اسماعيل أحد أفضل انجازات عهده اي المحاكم المختلطة التي اعطت سلطة القضاء المصري لمصر بمحاكم مختلطة تشريعها مستوحى من القانون المدني الذي وضعه نابوليون.
وتكرّ سبحة الوجوه مع احمد عرابي ومحمد عبدو واللورد كرومر وسعد زغلول وفؤاد الاول وهدى الشعراوي وحسن البنى وطه حسين وفاروق وجمال عبد الناصر وام كلثوم وانور السادات وبطرس بطرس غالي وحسني مبارك ونجيب محفوظ وصولاً في الختام الى عبد الفتاح السيسي.
لا شكّ في أن الكتاب لذّة موصوفة لكل من يحب التاريخ والتعرف الى هوية مصر ومن طبعوا حياتها من عظماء في السياسة والعلم والفكر والفنّ.
يروي سوليه "ام الدنيا" بأسلوبٍ سلس وجذاب في 324 صفحة وبعشرين لوحة لعشرين شخصية ترددت أصداؤها في العالم ورسمت معالم البلد الاحب الى قلبه: "كلّما زادت دراستي لمصر تأكدت من وجود أشياء أجهلها" يقول المؤلّف الذي يبرهن لنا على مرّ الزمن أن قلمه لن يكف عن انتاج المزيد من الكتابات الآسرة حول "أم الدنيا".