داود رمال

اليوم الرابع من مفاوضات واشنطن أنجز اختراقًا تاريخيًا

الاتفاق يرسم طريق الانسحاب الإسرائيلي الكامل

5 دقائق للقراءة

دخلت المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة في واشنطن، بوساطة أميركية، مرحلة مفصلية مع انتهاء اليوم الرابع من الاجتماعات، بعدما نجح الوفد اللبناني في تحقيق ما تصفه أوساط سياسية رفيعة بأنه "أكبر تقدم منذ انطلاق هذا المسار"، وسط أجواء إيجابية جداً تؤسس، وفق المصدر السياسي الرفيع لـ"نداء الوطن"، لمرحلة مختلفة كلياً في إدارة ملف الحدود الجنوبية والاحتلال الإسرائيلي، بعدما جرى تجاوز معظم النقاط التي كانت عالقة في اليوم الثالث، ولا سيما تلك المتعلقة بالمناطق النموذجية وآلية الانطلاق نحو الانسحاب الإسرائيلي التدريجي وصولاً إلى الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة.

ويؤكد المصدر أن "ما تحقق لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة براعة الوفد اللبناني المفاوض برئاسة السفير سيمون كرم، الذي عمل بتوجيه مباشر ومتابعة دقيقة من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ما أفضى إلى التوصل لاتفاق متكامل حول مفهوم المناطق النموذجية، بالتوازي مع الاتفاق على إطار العمل المشترك الذي سيحكم المرحلة المقبلة. وبعد إنجاز هذين البندين، رُفع الاتفاق إلى المرجعيات السياسية الثلاث المعنية، وهي الرئاسة اللبنانية، والإدارة الأميركية، والحكومة الإسرائيلية، للحصول على الموافقات النهائية قبل الانتقال إلى المرحلة التنفيذية."

وبحسب المصدر، "فإن الرئيس عون واكب تفاصيل المفاوضات ساعة بساعة، وأجرى سلسلة اتصالات مع رئيس الحكومة نواف سلام، حيث تولى الرجلان إدارة التنسيق السياسي والدستوري للمفاوضات بدقة متناهية، ولا سيما في ما يتعلق بالصيغة اللبنانية التي طرحت منطقتين نموذجيتين تشكلان نقطة الانطلاق، على أن تضم كل منهما قسماً من الأراضي اللبنانية التي تحت الاحتلال الإسرائيلي (الخط الاصفر)، بما يعني عملياً أن بدء تنفيذ الاتفاق يستوجب أولاً انسحاب القوات الإسرائيلية من هاتين المنطقتين، ليتولى الجيش اللبناني فوراً الإمساك بالسيطرة العملانية عليهما، قبل الانتقال تباعاً، وفق جدول زمني وتسلسلي واضح، إلى بقية المناطق المحتلة".

ويكشف المصدر عن أن "أهمية هذا الترتيب لا تكمن فقط في إطلاق عملية الانسحاب، بل في تثبيت مبدأ غير قابل للتراجع يقضي بأن كل مرحلة تنفيذية ستقود حكماً إلى المرحلة التي تليها، وصولاً إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجميع الأراضي اللبنانية"، وهو ما يشكل، بحسب المصدر، "أحد أبرز الإنجازات التي تمسك بها الوفد اللبناني طوال المفاوضات، بعدما رفض بشكل قاطع أي مقاربة أو صياغة يمكن أن توحي بإضفاء شرعية على بقاء أي جزء من الأراضي اللبنانية تحت الاحتلال، مهما كانت الذرائع أو الاعتبارات الأمنية المطروحة".

ويضيف المصدر أن "الجدول التسلسلي الذي تم التوافق عليه يحدد بصورة واضحة آلية الانتقال من منطقة نموذجية إلى أخرى، بحيث يصبح الانسحاب الكامل هدفاً ملزماً ضمن مسار تنفيذي متدرج، وليس مجرد إعلان سياسي أو تعهد غير قابل للتطبيق، وهو ما اعتبره الجانب اللبناني تحولاً نوعياً في طبيعة المفاوضات مقارنة بكل المحاولات السابقة".

وفي موازاة التفاهمات الميدانية، "اكتسبت المفاوضات غطاءً دستورياً وسياسياً متيناً داخل لبنان، بعدما استند الوفد اللبناني إلى قرار مجلس الوزراء الرقم 23/2 الصادر بالإجماع في جلسته المنعقدة امس الاول (الخميس) في قصر بعبدا، والذي أخذ علماً بالتفويض المعطى من رئيس الجمهورية، بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، للوفد المفاوض في واشنطن، وكلفه القيام بكل ما يلزم توصلاً إلى النتيجة المرجوة تحت إشرافهما، مع التشديد على أن أي اتفاق ينتج عن هذه المفاوضات لا يصبح نافذاً إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، عملاً بأحكام المادة 52 من الدستور اللبناني. ويكتسب هذا القرار أهمية إضافية كونه صدر بإجماع الوزراء ومن دون أي اعتراض، بما وفر للمفاوض اللبناني غطاءً وطنياً جامعاً يعزز موقعه التفاوضي أمام الوسيط الأميركي والجانب الإسرائيلي".

وفي موازاة تثبيت مبدأ الانسحاب الكامل، "تم أيضاً التوافق على الخطوط العامة لإطار العمل المشترك الذي سيرافق تنفيذ الاتفاق، والذي سيرتكز على تثبيت مفاهيم السيادة والاستقرار والأمن والسلام على امتداد الحدود الجنوبية، بل وعلى كامل الحدود اللبنانية، بما يعكس توجهاً نحو إنشاء بيئة أمنية مستقرة تمنع العودة إلى دوامات التصعيد العسكري، وتحول الإنجاز التفاوضي إلى مدخل لاستقرار طويل الأمد".

ويشير المصدر إلى أن "مشاركة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في مستهل اجتماعات اليوم الرابع حملت رسائل سياسية بالغة الأهمية، إذ جدد التأكيد على دعم الولايات المتحدة الكامل للبنان، وشدد على أن كل ما يتعلق بالملفات اللبنانية يتم التفاوض بشأنه حصراً مع السلطات الدستورية اللبنانية، في موقف اعتبره الجانب اللبناني تثبيتاً واضحاً لمرجعية الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية. كما أعلن روبيو استعداد واشنطن لمواصلة دعم لبنان على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، مع تأكيد خاص على استمرار دعم الجيش اللبناني باعتباره الركيزة الأساسية لحفظ الأمن والاستقرار وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها".

ويخلص المصدر إلى أن "ما تحقق في اليوم الرابع يتجاوز حدود تسجيل تقدم تقني في بعض البنود، ليؤسس لمسار سياسي وتنفيذي جديد يقوم على تثبيت الانسحاب الإسرائيلي الكامل كهدف نهائي، وربط هذا الانسحاب بآلية عملية واضحة ومجدولة زمنياً، ومدعومة بغطاء دستوري لبناني ورعاية أميركية مباشرة، بما يجعل المفاوضات الحالية أقرب من أي وقت مضى إلى إنتاج اتفاق يمكن أن يشكل محطة مفصلية في تاريخ إدارة النزاع على الحدود الجنوبية، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها تثبيت السيادة اللبنانية الكاملة على جميع أراضيها".