يُطرح مشروع "الإقامة الذهبية" في لبنان في سياق اقتصادي ومالي شديد التعقيد، غير أنه لا يقتصر على بعده الاستثماري البحت، بل يثير في المقابل مجموعة من الهواجس والإشكاليات المرتبطة بطبيعة الاقتصاد اللبناني، وهشاشة بنيته المؤسسية، وحدود قدرته على ضبط التدفقات المالية والانعكاسات القانونية والسيادية المحتملة لهذا النوع من البرامج.
في هذا السياق المتداخل بين الحاجة الملحّة إلى استقطاب الرساميل من جهة، ومحدودية القدرة المؤسسية للدولة من جهة أخرى، لا يأتي المشروع كإجراء تقني معزول، بل كسياسة عامة تحمل أبعاداً اقتصادية وقانونية وسيادية متشابكة تتجاوز بكثير فكرة منح إقامة مقابل استثمار مالي.
في 22 حزيران 2026، أقرّت لجنة المال والموازنة النيابية مشروع قانون حكومي يمنح إقامة للمقيمين خارج لبنان مقابل استثمار لا يقل عن 500 ألف دولار، على أن يُستكمل لاحقاً بإقراره في الهيئة العامة وإصدار مراسيمه التطبيقية. وبحسب ما رشح، فإن الإقامة المقترحة تأخذ طابع "الإقامة الضريبية"، وتُربط بوسائل استثمار متعددة تشمل الودائع المصرفية أو العقارات أو تأسيس شركات، مع رسم سنوي مرتفع نسبيًّا يبلغ 50 ألف دولار، إضافة إلى رسوم مماثلة عن أفراد العائلة.
غير أن خطورة هذا المشروع لا تكمن فقط في بنيته القانونية، بل في تفاعله مع واقع لبناني شديد الهشاشة، حيث لم تُستكمل بعد عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ولا تزال الدولة مدرجة على لوائح مراقبة مالية دولية، فيما تعاني مؤسساتها من ضعف مزمن في القدرة التنظيمية والرقابية. ومن هنا تحديدًا، ينتقل النقاش من سؤال "جدوى استقطاب الرساميل" إلى سؤال أعمق: هل يمتلك لبنان فعلاً القدرة المؤسسية على إدارة برنامج من هذا النوع دون إنتاج مخاطر تفوق منفعته؟
أولاً: من الإقامة الاستثمارية إلى إشكالية "التجنيس المقنّع" وتحوّلات التوازن الديموغرافي
في النظر المقارن، تُعتبر برامج الإقامة مقابل الاستثمار، أو ما يُعرف بـ"الإقامات الذهبية"، أدوات مالية تعتمدها دول مستقرة نسبيًّا ضمن أطر قانونية ورقابية صارمة، بهدف استقطاب رؤوس الأموال وتنشيط الاقتصاد. غير أن التجربة الدولية تُظهر أن هذه البرامج، رغم طابعها الاقتصادي المعلن، ليست معزولة عن التحولات التدريجية في وظيفة الإقامة نفسها، حيث تنتقل من كونها وضعًا إداريًّا موقتًا إلى مدخل قانوني- جتماعي لإعادة تشكيل الانتماء، سواء عبر الإقامة الدائمة أو عبر مسارات التجنيس غير المباشر.
ففي عدد من الدول، ولا سيما في أوروبا الجنوبية، أفضت برامج الإقامة الاستثمارية إلى خلق فئات سكانية مستقرة اقتصاديًا، ما دفع لاحقًا إلى إعادة النظر في شروط الإقامة الطويلة، وتوسيع نطاق الحقوق الاجتماعية، ثم الانتقال تدريجياً إلى نقاشات حول التجنيس، تحت عنوان "الاندماج الاقتصادي والاجتماعي". وهكذا، فإن ما يبدأ كأداة مالية ينتهي في كثير من الحالات كأداة لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمقيم.
في الوضع اللبناني، تكتسب هذه الإشكالية حساسية مضاعفة، ليس فقط بسبب هشاشة الإطار الاقتصادي والمؤسساتي، بل أيضًا بسبب الطبيعة الدقيقة للنظام السياسي القائم على توازنات طائفية وديموغرافية ذات بعد دستوري لا يمكن تجاهله. فإدخال فئات جديدة من المقيمين على أساس مالي، وبحجم غير محدود أو غير مضبوط بدقة، قد يؤدي إلى نشوء كتلة سكانية- اقتصادية جديدة خارج الحسابات التقليدية للتوازن الداخلي، بما يعيد فتح النقاش حول مفهوم "الاستقرار الديموغرافي" نفسه.
وتزداد هذه الحساسية تعقيدًا عند ربطها بالواقع اللبناني الراهن، حيث يشكّل الوجود السوري الكبير، نتيجة النزوح المستمر منذ عام 2011، عاملاً أساسيًّ افي إعادة تشكيل الخريطة السكانية والاجتماعية. فلبنان يستضيف، وفق تقديرات دولية، واحدة من أعلى نسب النزوح بالنسبة لعدد السكان في العالم، وهو ما يضع ضغطًا مستمرًا على البنية التحتية والخدمات وسوق العمل، ويجعل أي سياسة تتعلق بالإقامة أو الاستقرار السكاني مسألة ذات طابع سيادي بامتياز، لا يمكن فصلها عن نقاش التوازنات الداخلية.
في هذه الحال، يصبح إدخال برنامج "إقامة ذهبية" قائمًا على القدرة المالية، من دون تحديد صارم للحجم، والمدة، وشروط الإقامة، ومعايير التمديد أو التجديد، مسألة تطرح مخاطر تراكمية، أبرزها احتمال تكوّن مسار تدريجي لما يمكن وصفه بـ"التوطين غير المعلن" عبر الاقتصاد. فالتجارب المقارنة تُظهر أن التوطين لا يحصل دائمًا عبر قرارات سياسية مباشرة، بل يمكن أن يتشكل عبر سلسلة طويلة من الإجراءات الإدارية والاقتصادية: إقامة طويلة، استقرار عائلي، اندماج اقتصادي، ثم مطالبات قانونية متزايدة بالحقوق.
وفيما يتعلق بلبنان تحديدًا، يطرح هذا المسار إشكالاً مضاعفًا، لأنه يتقاطع مع حساسية تاريخية مرتبطة بمسألة التوطين، ومع هواجس ديموغرافية متجذرة في البنية السياسية، حيث يُنظر إلى أي تغيير غير مضبوط في تركيب السكان باعتباره عاملاً قد يؤثر في توازن النظام نفسه.
بناءً عليه، فإن الأسئلة التي يثيرها المشروع لا تبقى محصورة في نطاقه الاقتصادي، بل تمتد إلى مستوى أعمق يتعلق بالهندسة السكانية للدولة:
هل تبقى الإقامة الاستثمارية محصورة في بعدها المالي الموقت من دون تراكم حقوق سياسية أو اجتماعية؟
أم أنها تشكل، بفعل الزمن والاستقرار، مدخلاً غير مباشر لإعادة تعريف مفهوم الانتماء داخل الدولة؟
وكيف يمكن التمييز عمليًّا بين إقامة اقتصادية محضة، ومسار اندماج قد يقود تدريجيًّا إلى تجنيس مقنع للعديد من الفلسطينيين والسوريين أو ما يشبهه من أشكال "التجنيس المقنّع"؟
إن خطورة هذه الأسئلة في الحالة اللبنانية لا تنبع من فرضيات نظرية، بل من واقع دقيق تتداخل فيه مسارات النزوح الطويل الأمد، مع هشاشة الدولة في ضبط سياساتها السكانية، ومع قابلية بعض الأدوات الاقتصادية للتحول إلى أدوات ذات أثر ديموغرافي غير مباشر. ومن هنا، يصبح أي توسع في سياسات الإقامة القائمة على الاستثمار، من دون ضمانات صارمة ومغلقة المسارات، قابلاً لأن يُقرأ ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل التوازنات السكانية، لا مجرد استقطاب رؤوس أموال.
ثانيًا: مخاطر غسل الأموال في اقتصاد مُدرج تحت المراقبة الدولية وضعف البنية السيادية والرقابية
من أبرز الإشكاليات البنيوية التي تستوجب تدقيقًا عميقًا عند مقاربة مشروع "الإقامة الذهبية" أن لبنان لا يزال، وفق تقارير مجموعة العمل المالي (FATF)، ضمن نطاق المراقبة المعززة (اللائحة الرمادية)، ما يعكس استمرار وجود ثغرات جدية في منظومة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، سواء على مستوى التشريع أو التطبيق أو الاستقلالية الفعلية للأجهزة الرقابية.
غير أن خطورة هذا الواقع في لبنان لا تتوقف عند الجانب التقني المرتبط بالامتثال للمعايير الدولية، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة نفسها وقدرتها على فرض القواعد. فلبنان، في بنيته السياسية والمؤسساتية الراهنة، يعاني من تراجع واضح في منطق الدولة المركزية لصالح قوى أمر واقع مسلحة ومؤثرة في القرار العام، بما ينعكس بشكل مباشر على فعالية أجهزة الرقابة المالية والإدارية والقضائية. وفي بيئة من هذا النوع، تصبح مسألة "الرقابة المستقلة" على حركة الأموال ليست مجرد إشكالية تقنية، بل إشكالية سيادية بامتياز.
إلى ذلك، يضاف عامل بالغ الخطورة يتمثل في أزمة القضاء اللبناني، حيث تعاني السلطة القضائية من ضغوط سياسية ومؤسساتية مزمنة، وتفتقر في حالات عديدة إلى القدرة الفعلية على فرض التحقيقات المالية المعقّدة أو ملاحقة شبكات تبييض الأموال العابرة للحدود. كما أن أجهزة الرقابة المالية، رغم وجودها الشكلي، تبقى محدودة الفاعلية في ظل ضعف التنسيق المؤسساتي، وتداخل الصلاحيات، وتأثيرات النفوذ السياسي المباشر وغير المباشر على عملها.
في هذا السياق المركّب، يصبح ربط منح الإقامة بضخ أموال أو استثمارات عقارية أو تأسيس شركات مسألة عالية الحساسية، لأن معيار أي برنامج من هذا النوع لا يقتصر على جذب الرساميل، بل يرتبط أساساً بقدرة الدولة على التحقق الصارم من: المصدر الحقيقي للأموال، والمصدر الاقتصادي للثروة؛ وشفافية المستفيد النهائي الفعلي؛
وسلامة المسار المصرفي والتحويلات عبر نظام مالي خاضع للرقابة الفعلية لا الشكلية.
وفي غياب هذه المنظومة المتكاملة، أو في حال استمرار ضعفها البنيوي، فإن برامج الإقامة الاستثمارية لا تبقى ضمن إطارها الاقتصادي المشروع، بل تتحول وفق ما تشير إليه التقارير الصادرة عن مؤسسات دولية مثل FATF والاتحاد الأوروبي إلى “"منافذ محتملة لإدخال الأموال غير المشروعة"، سواء عبر غسل أموال منظم، أو عبر إعادة تدوير أصول ذات مصادر غير شفافة، أو حتى عبر توظيف هياكل قانونية محلية ضعيفة كواجهات لإضفاء الشرعية على ثروات مشكوك في أصلها.
وتزداد هذه المخاطر في لبنان تحديدًا بسبب تداخل عاملين إضافيين: أولًا، الانقسام العميق داخل مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القرار الفعلي خارج الإطار الرسمي، وثانيًا، هشاشة البيئة الرقابية التي تسمح نظريًا بوجود قوانين متقدمة، لكنها تعجز عمليًا عن فرض تطبيقها بشكل موحّد ومستقل. وهذا ما يجعل أي برنامج قائم على استقطاب الأموال، في ظل هذه الظروف، عرضة لأن يتحول من أداة تنموية إلى قناة محتملة لإعادة إدخال الأموال إلى النظام المالي دون ضمانات كافية للشفافية أو الامتثال.
لذلك، فإن التجارب الدولية التي دفعت الاتحاد الأوروبي وعددًا من الدول إلى تشديد أو إلغاء برامج مماثلة لم تكن مرتبطة فقط بعمليات فردية، بل بإدراك مؤسسي أوسع لمخاطر تحول هذه البرامج إلى نقاط ضعف في منظومة مكافحة تبييض الأموال العالمية، خصوصًا في الدول التي تعاني من هشاشة مؤسساتية أو من ضعف في استقلالية القضاء والرقابة.
ثالثًا: اختلال العلاقة بين الاستثمار والإنتاج في اقتصاد غير منتج وتحت ضغط أمني وسياسي مزمن
من الناحية النظرية، يُفترض أن يؤدي أي استثمار مرتبط بالإقامة أو الإعفاءات التحفيزية إلى خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد المحلي، سواء عبر زيادة فرص العمل، أو دعم القطاعات الإنتاجية، أو نقل التكنولوجيا والخبرات. غير أن هذا الافتراض يفقد جزءًا كبيرًا من واقعيته عندما يُطبَّق في سياق اقتصاد يعاني من اختلالات بنيوية عميقة، لا تقتصر على الجانب المالي فحسب، بل تمتد إلى البيئة السياسية والأمنية التي تحكم مناخ الاستثمار نفسه.
أما في الواقع اللبناني، فلا يمكن فصل القرار الاقتصادي عن السياق الأمني غير المستقر، حيث تشكّل التوترات الإقليمية، والهشاشة الداخلية، وتداخل مراكز القوة غير الرسمية، عوامل مباشرة تؤثر على ثقة المستثمر واستدامة أي نشاط اقتصادي طويل الأمد. فالمستثمر لا يقرأ فقط المؤشرات المالية، بل يقيّم أيضًا مستوى المخاطر الأمنية، واستقرار القرار السياسي، وإمكانية ضمان استمرار النشاط الاقتصادي من دون تعطيل أو ضغط خارجي أو داخلي.
يضاف الى ذلك أن يعاني الاقتصاد اللبناني يعاني من انهيار فعلي في النظام المصرفي، حيث فقد القطاع المالي دوره الوسيط التقليدي في تمويل الاقتصاد وتدوير الرساميل، ما أدى إلى شلل واسع في الائتمان والاستثمار المنتج. كما أن ضعف البنية القضائية، وغياب استقلالية فعلية في معالجة النزاعات التجارية والمالية، يضعف ثقة المستثمر في قدرة الدولة على حماية حقوقه أو ضمان تنفيذ العقود.
من ناحية أخرى فان غياب الاستقرار التنظيمي، حيث تتبدل الأطر القانونية والمالية بشكل متكرر أو جزئي، في ظل إدارة اقتصادية غير متماسكة، يجعل من الصعب على المستثمر بناء رؤية طويلة الأمد. أما بيئة الأعمال نفسها، فقد تراجعت بشكل كبير وفق مؤشرات دولية متعددة، نتيجة ارتفاع كلفة المخاطر، وتدهور البنية التحتية، وتقلّص دور الدولة كضامن للحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.
في ظل هذه المعطيات، لا يعود الاستثمار بالضرورة محركًا للإنتاج، بل يميل في كثير من الحالات إلى اتخاذ أشكال بديلة لا ترتبط بالتنمية الاقتصادية الفعلية، بل بالتحوط أو الاستفادة من الثغرات القائمة، مثل:
تحويل الرساميل إلى أصول عقارية باعتبارها ملاذًا آمنًا في ظل عدم الاستقرار النقدي والمؤسساتي؛ إعادة تدوير أموال داخل دوائر مالية محدودة من دون خلق نشاط إنتاجي فعلي أو قيمة مضافة حقيقية؛ أو توجيه الاستثمارات نحو البحث عن امتيازات إدارية أو ضريبية أو قانونية في نظام يعاني من تفاوت في التطبيق وضعف في الرقابة.
وفي هذا الإطار، يكتسب العامل الأمني بعدًا إضافيًّا في تفسير سلوك رأس المال. فغياب الاستقرار الأمني المستدام، وتداخل الاعتبارات السياسية والأمنية مع النشاط الاقتصادي، يدفعان المستثمرين غالبًا إلى تفضيل الاستثمارات السريعة أو العقارية أو الريعية، بدلا من المشاريع الإنتاجية الطويلة الأمد التي تتطلب بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ. وهذا النمط من الاستثمار، وإن أدخل سيولة إلى السوق، إلا أنه لا يؤدي بالضرورة إلى تطوير قاعدة إنتاجية مستدامة.
وبالتالي، يصبح السؤال المركزي في الحالة اللبنانية أكثر تعقيدًا من مجرد "جذب الاستثمارات"، ليتحول إلى سؤال بنيوي يتعلق بطبيعة الاقتصاد نفسه: هل يؤدي المشروع إلى خلق اقتصاد إنتاجي حقيقي قادر على توليد فرص عمل ونمو مستدام؟ أم أنه يعيد توزيع الثروة داخل اقتصاد يعاني من الركود البنيوي، عبر ضخ رساميل في قطاعات غير منتجة أو عالية المضاربة؟
إن الإجابة على هذا السؤال لا تتعلق فقط بتصميم المشروع، بل بمدى قدرة الدولة اللبنانية، في وضعها الحالي، على تحويل أي تدفق مالي إلى قيمة اقتصادية فعلية، في ظل التداخل بين الأزمة المالية، والاختلال المؤسسي، والبيئة الأمنية غير المستقرة.
رابعًا: أثر محتمل على السوق العقارية وإعادة تشكيل التوازنات الاجتماعية في سياق اقتصادي وأمني هش
عندما تُربط سياسات الإقامة أو الامتيازات الاستثمارية بشراء العقار، تظهر في الأدبيات الاقتصادية ظاهرة تُعرف بـ"ضغط تضخمي على الأصول"، أي ارتفاع أسعار الأصول نتيجة دخول طلب خارجي لا يرتبط بالحاجات السكنية المحلية أو بالدورة الاقتصادية الداخلية، بل بدوافع استثمارية أو تنظيمية مرتبطة بالحصول على وضع قانوني داخل الدولة.
غير أن هذه الظاهرة، التي يمكن احتواؤها في اقتصادات مستقرة ذات أسواق عقارية منظمة ورقابة فعّالة، تأخذ على المستوى اللبناني أبعادًا أكثر تعقيدًا وخطورة، نظرًا لكون السوق العقارية نفسها تعمل ضمن بيئة تتسم بضعف التنظيم، وتفاوت كبير في الشفافية، وغياب شبه كامل لسياسات سكنية عامة متماسكة، فضلًا عن تأثيرات الانهيار المالي الذي دفع العقار إلى التحول تدريجيًّا إلى ملاذ بديل عن النظام المصرفي.
بناء على ذلك، فإن أي ربط مباشر أو غير مباشر بين الإقامة والاستثمار العقاري قد يؤدي إلى سلسلة من التداعيات المتداخلة، أبرزها:
ارتفاع أسعار العقارات بشكل غير مرتبط بالدخل المحلي أو القدرة الشرائية للمقيمين، بل مدفوعًا بالطلب الخارجي المرتبط بالامتيازات الإدارية؛ تعميق الفجوة بين القدرة السكنية للمواطنين اللبنانيين وأسعار السوق، بما يؤدي إلى تآكل تدريجي لحق التملك أو حتى الاستئجار في بعض المناطق الحضرية؛ إعادة توجيه وظيفة العقار من كونه سلعة سكنية-اجتماعية إلى كونه أصلاً ماليًّا صرفًا يخضع لمنطق المضاربة وتخزين القيمة في ظل غياب الاستقرار النقدي.
وتكتسب هذه التحولات خطورة إضافية في لبنان، لأن السوق العقارية لا تعمل في فراغ اقتصادي، بل ضمن مجتمع يعاني أصلًا من تراجع حاد في القدرة الشرائية، وانكماش الطبقة الوسطى، وغياب سياسات إسكان عامة قادرة على تحقيق التوازن بين العرض والطلب. وبالتالي، فإن أي ضغط إضافي ناتج عن الطلب الاستثماري الخارجي لا يؤدي فقط إلى تشوهات سعرية، بل إلى اختلال في البنية الاجتماعية نفسها، عبر تعميق اللامساواة في الوصول إلى السكن، وإعادة إنتاج الفجوة بين الفئات القادرة على الدخول إلى السوق والفئات المستبعدة منها.
كما أن خصوصية الوضع اللبناني، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية مع الجغرافيا الاقتصادية، تضيف بعدًا آخر لهذا التأثير، إذ تميل بعض المناطق إلى استقطاب الطلب الاستثماري لأسباب تتجاوز الاقتصاد البحت، ما قد يؤدي إلى تركّز غير متوازن للاستثمارات العقارية، وإلى إعادة رسم غير معلنة للخريطة السكنية والاجتماعية داخل المدن والمناطق.
وقد دفعت هذه الإشكاليات عددًا من الدول التي اعتمدت برامج مشابهة، مثل كندا ونيوزيلندا وبعض الدول الأوروبية، إلى إعادة تقييم سياساتها أو تقييدها بشكل كبير، بعد تسجيل ارتفاعات حادة في أسعار السكن أثرت على الاستقرار الاجتماعي وأثارت جدلًا واسعًا حول "أولوية السكن للمقيمين مقابل الاستثمار الأجنبي".
وعليه، فإن الإشكال لا يتعلق فقط بارتفاع محتمل في الأسعار، بل بتحول بنيوي في وظيفة السوق العقارية نفسها، من أداة لتأمين الاستقرار الاجتماعي والسكني، إلى أداة مالية مرتبطة بمنطق الاستقطاب الاستثماري، بما قد ينعكس سلباً على التوازنات الاجتماعية طويلة الأمد.
خامسًا: الإشكال الأمني والسيادي في بيئة داخلية مسيّسة وهيمنة قوى الأمر الواقع على القرار العام
لا يمكن فصل أي برنامج من هذا النوع عن السياق الجيوسياسي والأمني الذي يعمل فيه لبنان، حيث لا تُختزل معايير الدولة في بعدها الإداري أو القانوني فقط، بل تتداخل مع واقع معقّد يتسم بضعف واضح في مركزية القرار السيادي، وبوجود قوى أمر واقع مسلحة وفاعلة خارج إطار الدولة، ما ينعكس بشكل مباشر على طبيعة إدارة الملفات الاقتصادية والاستثمارية الحساسة.
على هذا الأساس، لا يعود تقييم أي تدفق مالي كبير محصورًا في بعده الاقتصادي أو التقني، بل يصبح مرتبطًا أيضًا بمدى قدرة الدولة الفعلية على فرض سلطتها الحصرية على القرار الأمني والاقتصادي، وعلى ضمان بيئة مستقرة خالية من الضغوط أو التدخلات غير المؤسسية. إن تداخل الأدوار بين المؤسسات الرسمية وبين قوى نافذة خارج الإطار الدستوري التقليدي يؤدي عمليًا إلى تقليص مساحة القرار السيادي المستقل، ويضعف القدرة على ضبط مسارات الاستثمار وفق معايير موحّدة وشفافة.
وتزداد هذه الإشكالية حدة في ظل الواقع اللبناني، حيث ينعكس الاضطراب الأمني الإقليمي والتشابك مع شبكات مصالح إقليمية ودولية على الداخل اللبناني، ما يجعل البيئة الاقتصادية عرضة لتقاطعات غير اقتصادية في جوهرها. وفي مثل هذا السياق، يصبح أي برنامج قائم على استقطاب رؤوس أموال خارجية، وخاصة تلك المرتبطة بمنح امتيازات قانونية مثل الإقامة، عرضة لاعتبارات تتجاوز منطق الاستثمار التقليدي.
وعليه، فإن الإشكال لا يقتصر على حجم الأموال أو طبيعتها، بل يمتد إلى عناصر أكثر حساسية، من بينها:
هوية المستثمرين وخلفياتهم القانونية والمالية؛ طبيعة ارتباطاتهم الخارجية، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو مؤسساتية أو حتى أمنية؛ ومدى خضوعهم لأنظمة العقوبات الدولية أو إدراجهم ضمن شبكات رقابية أو مالية حساسة؛ وإمكانية استخدام الوجود القانوني داخل الدولة كمدخل للنفوذ الاقتصادي أو التمركز طويل الأمد.
وفي ظل ضعف فعلي في استقلالية بعض المؤسسات الرقابية، وتراجع فعالية آليات التدقيق المالي والإداري، وغياب قدرة قضائية حاسمة في تتبع التعقيدات المالية العابرة للحدود، تصبح الضمانات النظرية غير كافية لوحدها. فالمعيار الحاسم في مثل هذه البرامج لا يكمن فقط في النص القانوني، بل في قدرة الدولة على فرضه تطبيقًا ومساءلةً من دون استثناءات أو تدخلات.
ومن هنا، فإن غياب آليات سيادية صارمة وموحّدة، قادرة على فصل القرار الاستثماري عن أي اعتبارات خارجية أو موازين قوة غير رسمية، يجعل من هذا النوع من البرامج عرضة لاحتمال التحول من أداة اقتصادية إلى أداة نفوذ غير مباشر داخل الدولة، سواء عبر التموضع المالي طويل الأمد أو عبر اكتساب حضور قانوني- اقتصادي يمكن توظيفه في بيئة داخلية غير مستقرة سياسيًا وأمنيًا.
وعليه، فإن الإشكال على الساجة اللبنانية لا يرتبط فقط بجدوى جذب الرساميل، بل بطبيعة الدولة نفسها وقدرتها على أن تكون هي المرجع الوحيد والنهائي في تنظيم الدخل الاقتصادي والوجود القانوني على أراضيها، بعيداً عن أي تداخلات أو تأثيرات ناتجة عن اختلال ميزان القوة الداخلي أو الخارجي.
سادسًا: إشكالية التوقيت البنيوي في ظل أزمة غير مكتملة وبيئة دولة غير مستقرة
لا تنفصل جدوى أي برنامج من نوع "الإقامة الذهبية" عن مسألة التوقيت، ليس فقط بمعناه الزمني، بل بمعناه البنيوي المرتبط بمدى جاهزية الدولة ومؤسساتها لاستيعاب سياسة اقتصادية من هذا الحجم والتعقيد. وفي الوضع اللبناني تحديدًا، يبرز عنصر التوقيت كأحد أكثر عناصر المشروع إشكالية، لأنه يأتي في مرحلة لا تزال فيها الأزمة الاقتصادية والمالية في طور التفاعل، ولم تصل بعد إلى مرحلة الاستقرار أو إعادة الهيكلة النهائية.
فمن الناحية الاقتصادية، لا يزال لبنان يعيش تداعيات انهيار النظام المصرفي، من دون اكتمال أي تسوية شاملة لملف الودائع أو إعادة هيكلة فعلية للقطاع المالي، ما يعني أن أحد أهم أعمدة الثقة الاستثمارية- أي النظام المصرفي- لا يزال غير مستقر. ومن الناحية المؤسساتية، لم تُستكمل بعد الإصلاحات الضرورية في الإدارة العامة، ولا تزال البيئة التشريعية والرقابية في حالة تذبذب بين نصوص قائمة وتعطيل فعلي للتطبيق.
أما من الناحية السياسية والأمنية، فإن استمرار هشاشة الدولة وتداخل الاعتبارات الداخلية والإقليمية في صناعة القرار العام، يضع أي سياسة اقتصادية كبرى في دائرة عدم اليقين، إذ يصبح تنفيذها رهنًا بقدرة الدولة على فرض الاستقرار، وليس فقط بوجود نص قانوني ينظمها.
لهذه الناحية، يبدو إطلاق برنامج قائم على جذب استثمارات طويلة الأمد، مثل الإقامة الاستثمارية، وكأنه يسبق معالجة الأسس التي يقوم عليها الاستثمار نفسه. فالممارسة الدولية في هذا النوع من السياسات تُظهر أن برامج "الإقامة مقابل الاستثمار" لا تُعتمد عادة إلا في دول تتمتع بدرجة عالية من:
الاستقرار المالي والنقدي؛ وضوح النظام المصرفي والضريبي؛ فعالية الأجهزة الرقابية والقضائية؛ واستقرار سياسي وأمني قابل للتوقع.
في المقابل، عندما يُطرح مثل هذا البرنامج في بيئة غير مكتملة التعافي، فإنه يواجه معضلة جوهرية: هل يمكن جذب استثمار مستدام إلى نظام لم يحدد بعد قواعده النهائية؟ وهل يمكن للمستثمر أن يلتزم بأفق طويل الأمد في ظل غياب رؤية اقتصادية مستقرة وسياسات قابلة للاستمرار؟
وبالتالي، فإن الإشكال في التوقيت اللبناني لا يقتصر على كونه "غير مناسب"، بل يتجاوز ذلك إلى كونه توقيتًا قد يُعيد إنتاج الاختلالات نفسها التي يُفترض أن يعالجها المشروع، إذ بدلًا من أن يشكل البرنامج خطوة في مسار التعافي، قد يتحول إلى إجراء معزول يضخ رساميل في اقتصاد لم تُبْنَ بعد بنيته المؤسسية والمالية بشكل يسمح بتحويل هذه الرساميل إلى نمو إنتاجي حقيقي.
ومن هنا، يصبح السؤال المركزي ليس فقط حول جدوى المشروع، بل حول موقعه داخل تسلسل الإصلاحات الضرورية: هل يأتي كنتيجة لاقتصاد مستقر نسبياً، أم كبديل مؤقت عن إصلاحات لم تُنجز بعد؟ وفي الحالة اللبنانية، تميل المؤشرات إلى الاحتمال الثاني، ما يجعل عنصر التوقيت أحد أبرز نقاط الضعف البنيوية في هذا الطرح.
خلاصة
يمكن النظر إلى "الإقامة الذهبية" كأداة اقتصادية مشروعة في سياقات دولية مستقرة، حيث تتوافر مؤسسات رقابية قوية وأنظمة مالية شفافة وقدرة فعلية على تحويل الاستثمارات إلى نمو إنتاجي مستدام. إلا أن تطبيقها في لبنان يطرح إشكالًا مركبًا يتجاوز البعد الاقتصادي الضيق، ليطال البعد السيادي والقانوني والاجتماعي في آنٍ معًا، في ظل واقع تتسم فيه الدولة بضعف القدرة المؤسسية، وتراجع فعالية الرقابة، وعدم اكتمال مقومات الاستقرار المالي والنقدي.
ففي ضوء ما سبق، لا يمكن عزل المشروع عن ثلاثة مستويات مترابطة من المخاطر:
خطر مالي مرتبط باحتمالات تبييض الأموال أو إدخال رساميل غير شفافة في ظل ثغرات رقابية قائمة؛ خطر بنيوي مرتبط بهشاشة الاقتصاد اللبناني، وانهيار النظام المصرفي، وضعف القدرة على تحويل الاستثمارات إلى إنتاج فعلي؛ وخطر سيادي مرتبط بإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمقيمين على أساس مالي، في بيئة تتسم بضعف القرار السيادي وتداخل النفوذ غير الرسمي في إدارة الشأن العام.
غير أن الإشكال الأعمق لا يقتصر على هذه المستويات الثلاثة، بل يتمثل في ترتيب الأولويات الوطنية في لبنان. فثمة مشاريع أكثر إلحاحًا وارتباطًا بالحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي والسيادي، وفي مقدمها تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية وتأمين الطبابة والرعاية الصحية للمواطنين، معالجة ملف الودائع وإعادة أموال المودعين، تحصين القضاء وضمان استقلاليته الفعلية، قبل أي توسع في سياسات استقطاب الرساميل. والأهم من ذلك، يظل الشرط السيادي الجوهري المتمثل في استعادة الدولة لقرارها الحر وحصرية السلاح، باعتباره المدخل الأساسي لأي إصلاح اقتصادي أو مؤسسي جدي.
ومن هنا، فإن ترتيب الأولويات بهذا الشكل يجعل من طرح "الإقامة الذهبية" في هذا التوقيت تحديدًا بمثابة وضع للعربة قبل الحصان، إذ لا يمكن بناء سياسة استثمارية مستدامة في ظل غياب الأساس السيادي والمؤسساتي الذي يفترض أن يحكمها. وكما يقال في التعبير الدارج: "مرتا مرتا تهتمين لأمور كثيرة، والمطلوب واحد: تجريد الميليشيات من سلاحها"، أي أن جوهر الأزمة ليس في تعدد المشاريع، بل في غياب الشرط التأسيسي للدولة، وهو استعادة احتكارها الكامل للقرار والسيادة والقانون.
ومن دون هذا الشرط، يبقى أي مشروع اقتصادي ولو بدا متقدمًا في شكله عرضة لأن يتحول إلى إجراء جزئي في وطن لا سيادة كاملة للدولة فيه، ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى نتيجة عكسية: بدل استقطاب الرساميل وتعزيز الثقة، إنتاج مزيد من الهشاشة وعدم اليقين، وإعادة تعميق أزمة الدولة بدل الخروج منها.
أستاذ القانون الدولي الجنائي في جامعة ستراسبورغ ومستشار في المحكمة الجنائية الدولية، محام عام دولي أسبق في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ومحام عام أسبق في فرنسا ومحام بالنقض والاستئناف