التقت الذاكرة والموسيقى في أمسية استثنائية من الروائع السمفونية (An Evening of Symphonic Masterpieces)، في "الكنيسة الإنجيلية الأرمنية الأولى" في بيروت، بدعوة من رئيسة "المعهد الوطني العالي للموسيقى" المؤلفة الموسيقية هبة القوّاس، حيث أحيت الأمسية "الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية" بقيادة المايسترو هاروت فازليان.
استُهل الحفل بكلمة للقوّاس، تحدثت فيها عن هذه الليلة الاستثنائية ومشيرةً إلى خصوصية البرنامج الموسيقي الذي يجمع بين خاتشاتوريان، وسمفونية "القدر" الخامسة لبيتهوفن، وسمفونية "الشهيد" الرابعة لوليد غلمية. واستحضرت القوّاس مرور خمسة عشر عامًا على رحيل الدكتور وليد غلمية "الذي غادرنا في 7 حزيران 2011 بعد أن أعاد تأسيس "الكونسرفتوار" وبناءه من وسط رماد الحرب وإنهياره"، مؤكدةً أن ثمّة رؤية كانت قائمة لتحية تكريمية كبرى تليق بقامته، آثر المعهد إرجاءها ريثما تتوازن أوضاع لبنان.
ولم تقف الكلمة عند حدود الرثاء، بل انطلقت نحو آفاق الحياة، إذ أعلنت من على المنبر عن انطلاق احتفالات "عيد الموسيقى" التي بدأت من جونية لتشمل المناطق اللبنانية كافة، معربةً عن أملها في أن يتفاعل لبنان بأكمله مع النغم في الساحات، والمحميات، وعلى الطرقات، متمسكةً باليقين الثابت: "إننا لا نستطيع إلا أن نكون لبنان الحقيقي، بوجهه المشرق والأصيل، من خلال الموسيقى".
افتُتح البرنامج الموسيقي بنبض شرقي جارف من خلال متتالية باليه "غايانه" للمؤلف الأرمني آرام خاتشاتوريان (1903-1978). واستهلت بـ "رقصة السيوف" الشهيرة بإيقاعاتها الحيوية العاصفة، تلتها "رقصة العذارى" بنعومتها المنسابة، ثم "مناجاة عائشة" المفعمة بالشجن الإنساني الدافئ، وصولا إلى رقصة "الليزغينكا" المستوحاة من الفولكلور القوقازي الحيوي.
وانتقل الحضور بعد ذلك إلى ذروة الكلاسيكية الغربية مع السمفونية الخامسة للموسيقار العالمي لودفيغ فان بيتهوفن (1770-1827). وفي لفتة وفاء وتأكيد على الهوية والإرث الموسيقي اللبناني والعربي، اختتمت الأمسية بتقديم الحركة الثالثة التي تحمل عنوان "حرية" من السمفونية الرابعة "الشهيد" للمؤلف الموسيقي اللبناني الراحل الدكتور وليد غلمية (1938-2011). وقد قدّمت "الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية" بقيادة المايسترو هاروت فازليان هذا العمل بقدسية تليق بذكرى مؤلفها الكبير وليكون الختام تجسيدًا حيًّا للمقاومة الثقافية وعودة الروح إلى تفاصيل الذاكرة اللبنانية.