الدكتور سايد حرقص

​معنى أن تُولد لبنانياً

3 دقائق للقراءة

​ليس من السهل اختزال التجربة اللبنانية في توصيف سياسي أو اقتصادي عابر؛ فلبنان ليس مجرد أزمة مالية، ولا دولة فاشلة، ولا حتى ساحة لصراعات إقليمية ودولية. إنه، في جوهره، رحلة إنسانية مضنية، تتقاطع فيها المأساة مع الأمل، والعبث مع الإصرار، والخيبة مع الحلم.

​يبدو اللبناني أحياناً كأنه "سيزيف"، بطل الأسطورة الإغريقية الذي عاقبته الآلهة بأن يدحرج صخرة ضخمة إلى قمة الجبل، وما إن يبلغها حتى تفرّ من بين يديه إلى القاع، ليبدأ العذاب من جديد. منذ عقود، يعيد اللبناني بناء ما تهدمه الحروب والانهيارات، ويستجمع شتات مؤسساته بعد كل سقوط، ثم يجد نفسه مجبراً على إعادة الكرّة. وكأن التاريخ في هذه البقعة الصغيرة يدور في حلقة مفرغة لا تنتهي.

​وفي جانب آخر، يشبه اللبناني الرحالة الإنجليزي "فيلياس فوغ"، بطل رواية الكاتب الفرنسي جول فيرن «حول العالم في ثمانين يوماً». لكن رحلة اللبناني ليست نزهة استكشاف أو مغامرة اختيارية، بل هجرة قسرية بحثاً عن فرصة عمل، أو مقعد علم، أو راحة من دوامة ضجيج لا تنتهي. يحمل حقيبته من قارة إلى أخرى، ومن مطار إلى آخر، بينما يبقى قلبه معلقاً بوطنٍ شلعته رياح المصالح الدولية وقسمه ضعف انتماء شعبه اليه.

​أما على المستوى النفسي، فيعيش اللبناني صراعاً يشبه تمزق "غريغوري بيتشورين"، بطل رواية «بطل من هذا الزمان» للكاتب الروسي ميخائيل ليرمونتوف. ذلك الإنسان المشتت بين المثالية والواقع، بين الرغبة في التغيير والشعور بالعجز، وبين حب الوطن والنقمة عليه. فكم من لبناني يستيقظ كل صباح متمسكاً بجدوى البقاء، ثم ينام وعيناه على تأشيرة هجرة؟ وكم منهم يحب هذه الأرض إلى حد الألم، ويغضب منها إلى حد القطيعة؟ كما كتب الممثل المسرحي اللبناني جورج خباز في مسرحية "إلا إذا" سنة 2018 : لا فينا نعيش فيك.لا فينا نعيش بلاك"

​وعندما تشتد العواصف، يتجسد اللبناني في صورة أخرى من صور الأدب العالمي: "الصياد العجوز" في رائعة إرنست همنغواي «الشيخ والبحر». رجل وحيد في مواجهة يمّ هائج، يخوض معركة غير متكافئة، لا طلباً للمجد، بل دفاعاً عن معنى وجوده. ينتصر مرة ويخسر مرات كثيرة، لكنه يرفض الاستسلام. هكذا يقاوم اللبناني يومياً: موظفاً، عاملاً، مزارعاً، أستاذاً، طبيباً، أو صاحب طموح صغير. معارك ضارية يخوضها لا ليتوّج بطلاً، بل لينتزع الحد الأدنى من الحياة.

​لكن ثمة بعداً آخر في الحكاية، رغم انكساراته وخيباته المتتالية، ما زال اللبناني يمتلك قدرة على النهوض كأن في أعماقه إيماناً فِطرياً بأن الأوطان لا تُقاس بقوة جيوشها أو استقرار أنظمتها فحسب، بل بقدرة شعوبها على الانبعاث من الرماد.

​لهذا السبب، فإن مأساة اللبناني لا تكمن فقط في فقرٍ عابر، أو هجرة مفروضة، أو فساد مستشرٍ، بل في بحثه الأزلي عن وطن يشبه أحلامه. وطن لا يطالبه بأن يكون "سيزيف" كل يوم، ولا أن يحمل حقيبته كـ "فوغ" إلى المنافي البعيدة، ولا أن يعيش تمزقات "بيتشورين" النفسية، ولا أن يخوض وحيداً معارك "الصياد العجوز".

​إنه يبحث ببساطة عن وطن طبيعي؛ وطن يشعر فيه أن عرقه لا يضيع سُدى، وأن القانون درعه، وأن الدولة خادمته، وأن مستقبله ليس رهينة في بازار مصالح الآخرين.

​وربما هنا تكمن المأساة اللبنانية الكبرى: أن شعباً تمكن من التكيف مع المستحيل، ما زال حتى اليوم يشقى في البحث عن حق بديهي تمتلكه معظم شعوب الأرض... وطن.