تعيش الولايات المتحدة الأميركية بالشراكة مع كندا والمكسيك أجواء النسخة الأكبر في تاريخ كأس العالم التي تُقام للمرة الأولى بمشاركة 48 منتخباً. ورغم امتلاك الولايات المتحدة مسبقاً بعضاً من أكبر الملاعب وأكثرها تطوراً في العالم فإن استضافة المونديال كشفت تحدياً هندسياً كبيراً إذ إن معظم هذه الملاعب صُمم أساساً لاستضافة مباريات دوري كرة القدم الأميركية (NFL) وليس مباريات كرة القدم وفق معايير الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا).
ولتحويل هذه الملاعب إلى منشآت مطابقة لمتطلبات البطولة أُنفقت مئات الملايين من الدولارات على مشاريع هندسية ولوجستية معقدة شملت تعديل الهياكل الخرسانية وتطوير أرضيات الملاعب وتوسيع المساحات إضافة إلى تحديث البنية الإعلامية والتجارية لاستيعاب أكبر حدث رياضي في العالم.
معضلة المساحة
كان التحدي الأول مرتبطاً بأبعاد أرضية الملعب. فملعب كرة القدم الأميركية يبلغ عرضه نحو 49 متراً، بينما يشترط "الفيفا" عرضاً يبلغ 68 متراً إلى جانب مساحات أمان حول خطوط التماس هذا الفارق الكبير جعل العديد من الملاعب الأميركية غير مؤهلة لاستضافة مباريات كأس العالم بصورتها الأصلية. ولمعالجة هذه المشكلة اضطرت إدارات الملاعب إلى إزالة آلاف المقاعد في الصفوف السفلية وإجراء تعديلات على الزوايا الخرسانية مع إعادة تصميم خطوط الرؤية حتى لا تتأثر تجربة الجماهير بعد توسيع مساحة اللعب. وكانت هذه العمليات من أكثر المراحل تعقيداً وكلفة في مشاريع التحديث.
أما التحدي الثاني فتمثل في أرضية الملاعب. فالكثير من ملاعب الدوري الأميركي يعتمد على العشب الصناعي بسبب قدرته على تحمل الاستخدام المكثف خصوصاً في الملاعب المغطاة بالكامل لكن "الفيفا" يشترط استخدام العشب الطبيعي فقط خلال البطولة. لذلك جرى اعتماد أنظمة زراعية متطورة تعتمد على أرضيات عشبية قابلة للنقل (Modular Pitch) تُركب داخل الملاعب على شكل وحدات ضخمة. كما زُودت هذه المنشآت بأنظمة تهوية وتصريف للمياه والرطوبة إضافة إلى مئات المصابيح الصناعية التي تحاكي أشعة الشمس للحفاظ على جودة العشب داخل الملاعب المغلقة.
نماذج حية للتحول الهندسي
وتبرز ثلاثة ملاعب بوصفها نماذج واضحة لحجم هذه الاستثمارات. ففي ملعب AT&T في دالاس الذي يتسع لحوالي 80,000 متفرج لم يكن الحل إزالة أجزاء واسعة من المدرجات بل رفعت أرضية الملعب بالكامل بنحو 4.5 أمتار للوصول إلى نقطة أكثر اتساعاً داخل المدرجات وهي عملية هندسية بالغة التعقيد.
أما ملعب MetLife في نيويورك ونيوجيرسي الذي سيستضيف المباراة النهائية هو يتسع لحوالي 82,000 متفرج فقد شهد إزالة 1740 مقعداً من الزوايا السفلية لتوفير العرض المطلوب مع تركيب مقاعد مؤقتة وقابلة للسحب لتعويض جزء من السعة الجماهيرية خلال البطولة.
وفي ملعب SoFi في لوس أنجلوس الذي بلغت تكلفة إنشائه نحو خمسة مليارات دولار شملت الأعمال إزالة أجزاء خرسانية كاملة من الزوايا لتلبية متطلبات "الفيفا" المتعلقة بعرض أرضية اللعب.
ولم تقتصر عمليات التطوير على أرضية الملعب والمدرجات بل امتدت إلى تعزيز العوائد الاقتصادية للبطولة. فالملاعب الأميركية التي تتسع بين 70 و90 ألف متفرج احتاجت إلى توسعة المرافق الإعلامية لاستقبال آلاف الصحافيين إلى جانب تطوير أجنحة الضيافة الفاخرة (VIP Suites) التي تُعد من أهم مصادر الإيرادات عبر مبيعات التذاكر الفاخرة وعقود الرعاية وتحقق مئات الملايين من الدولارات بما يساعد على تعويض جزء كبير من كلفة التحديثات.
ماذا يحدث بعد صفارة النهاية؟
ورغم ضخامة الاستثمارات تشير التوقعات الاقتصادية إلى أن العوائد ستكون أكبر بكثير من النفقات فكل مدينة مضيفة يُتوقع أن تحقق إيرادات مباشرة تتراوح بين 160 و400 مليون دولار مدفوعة بتدفق ملايين المشجعين الذين سينشطون قطاعات الفنادق والطيران والنقل والمطاعم، إضافة إلى آلاف فرص العمل التي وفرتها مشاريع البناء والتنظيم.
لكن الجانب الأكثر ذكاءً في المشروع لا يتعلق فقط بتهيئة الملاعب للمونديال بل أيضاً بقدرتها على العودة سريعاً إلى وظيفتها الأصلية بعد انتهاء البطولة. فقد صُممت معظم التعديلات وفق مفهوم "الهندسة القابلة للإزالة والتفكيك" (Modular Design) بما يسمح بإعادة الملاعب إلى مواصفاتها الخاصة بدوري كرة القدم الأميركية.
وتشمل هذه الخطة إعادة تركيب المقاعد والمدرجات التي أزيلت مؤقتاً في ملاعب مثل "ميتلايف" و"صوفي" نظراً إلى القيمة الاقتصادية الكبيرة لمقاعد الصفوف الأمامية خلال مباريات الدوري المحلي. كما ستُزال أنظمة العشب الطبيعي المؤقت لتعود الملاعب المغلقة إلى استخدام العشب الصناعي القادر على تحمل جدول مزدحم يجمع بين المباريات الرياضية والحفلات الموسيقية والفعاليات الجماهيرية المختلفة.
وفي المقابل ستحتفظ الملاعب بالتحديثات الدائمة التي تضيف إلى قيمتها السوقية مثل أنظمة التهوية والتصريف الحديثة وشبكات الإنترنت فائق السرعة وأجنحة الضيافة التي ستواصل تحقيق عوائد مالية كبيرة لسنوات طويلة بعد إسدال الستار على كأس العالم. وفي المحصلة لا تمثل استضافة مونديال 2026 مجرد تنظيم لمباريات كرة القدم بل مشروعاً هندسياً واقتصادياً ضخماً أعاد توظيف ملاعب بُنيت لرياضة مختلفة لتصبح خلال أسابيع قليلة مسارح عالمية تستوفي أعلى المعايير الفنية ثم تعود بعدها إلى وظيفتها الأصلية دون خسارة استثماراتها. إنها تجربة تجمع بين الابتكار الهندسي والاستدامة الاقتصادية وتؤكد قدرة الولايات المتحدة على تحويل حدث رياضي عالمي إلى استثمار طويل الأمد ينعكس على المدن المضيفة وقطاع الرياضة والبنية التحتية لسنوات قادمة.