مروان الأمين

بين 3 و26 حزيران الشرعية تستعيد المبادرة

3 دقائق للقراءة

حققت الشرعية اللبنانية جملة من المكاسب السياسية والدبلوماسية من خلال اتفاق الإطار الثلاثي الذي جمع لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، في خطوة تُعتبر محطة مهمّة جديدة على صعيد تثبيت موقع الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة في إدارة ملفاتها السيادية.

ويبرز في مقدمة هذه المكاسب نجاح الدولة اللبنانية في تكريس سيادتها على قرارها الدبلوماسي، رغم المحاولات المتكررة من جانب طهران لاستعادته. وتمثلت أحدث هذه المحاولات في الإصرار على تضمين تفاهمها مع واشنطن بندًا يتعلق بوقف إطلاق النار في لبنان، في خطوة هدفت إلى الإيحاء بأن القرار المرتبط بمصير لبنان لا يصدر عن مؤسساته الدستورية، بل يُقرر في طهران.

كما هدفت طهران من خلال هذه الخطوة إلى توجيه رسالة إلى أبناء الطائفة الشيعية مفادها أن الضمانة الأساسية لأمنهم تأتي من طهران، لا من الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، في حين جاء اتفاق الإطار ليضرب محاولات طهران، وليؤكد أن الشرعية اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخوّلة التفاوض باسم لبنان وتأمين مصالح اللبنانيين بمعزل عما تقتضيه المصلحة الايرانية.

في البيان الذي صدر عقب المفاوضات بين لبنان واسرائيل في واشنطن بتاريخ 2 و 3 حزيران، تم الاتفاق على وقف لاطلاق النار وانسحاب اسرائيل وفق آلية "المناطق التجريبية"، إلا أن "الحرس الثوري" و"حزب الله" سارعا الى رفض هذا الاتفاق، واعتبراه مجحفًا بحق لبنان. لكنهما عملا لاحقًا على تسويق تضمين إيران لاتفاقها مع واشنطن بند وقف إطلاق النار في لبنان على أنه إنجاز كبير.

هذا يؤكد أن المسألة بالنسبة لـ"الحزب" ليست في مضمون الاتفاق، بل في الجهة التي توصلت إلى هذا الاتفاق. فأي انجاز يتحقق للبنان من خلال الشرعية هو مرفوض بالكامل من قبله، لأن هكذا خطوة سوف تساهم في تعزيز دور الشرعيّة وتقويض النفوذ الايراني.

إذًا، يشكّل كلّ من بيان 3 حزيران واتفاق الإطار في 26 حزيران محطتين مهمتين في مسار استعادة الدولة اللبنانية قرارها السيادي، والحدّ من النفوذ الإيراني في لبنان. إلا أن هذا المسار لا يزال طويلا، ويتطلب ترجمة ما تحقّق على المستوى الدبلوماسي إلى خطوات عملية تعيد إلى الشرعية اللبنانية احتكار القرارين الأمني والعسكري على كامل الأراضي اللبنانية.

كما سلّط الاتفاق الضوء على وظيفة السلاح، ويطرح سؤالا جوهريًا أمام الرأي العام اللبناني، وخصوصًا على البيئة الشيعية: إذا كانت الشرعية اللبنانية قادرة، عبر المسار الدبلوماسي، على تأمين الانسحاب الإسرائيلي والاستقرار وإعادة الإعمار، فما المبرر لبقاء هذا السلاح العاجز عن تأمين الحماية؟ لا سيما إذا كان هذا السلاح هو من استجلب الاحتلال وبات يشكّل العائق الرئيسي أمام تحقيق هذه الأهداف.

لعل هذا ما يفسر سرعة تحرك "حزب الله" لرفض الاتفاق، سواء عبر المواقف السياسية أو عبر تحريك الشارع، في محاولة لمنع نشوء نقاش هادئ حول مضمونه وتداعياته، واستبداله بخطاب تعبوي يقوم على التحريض والشيطنة واستثارة العصبيات.

في الخلاصة، شكّل هذا الاتفاق صفعة دبلوماسية للنفوذ الإيراني في لبنان، وأعاد إلى الشرعية اللبنانية دورها ومرجعيتها في إدارة الملفات الوطنية. كما كشف أن أولوية "حزب الله" ليست حماية الناس كما يدّعي، بل تسخير الناس وأرزاقهم وحياتهم واستقرارهم لحماية السلاح وخدمة النفوذ الإيراني.